Menu

نظام ترامب صنيعة حرب داخل الدولة العميقة: نافذ أحمد*- ترجمة: علي إبراهيم

نظام ترامب صنيعة حرب داخل الدولة العميقة: نافذ أحمد*- ترجمة: علي إبراهيم
للوهلة الأولى  لم يكن الأمر جلياً. كان من أول الخطوات التي إتخذها ترامب بعد استلامه مهامه قيامه بإلغاء إتفاقية  الشراكة عبر المحيط الهادي للتبادل التجاري الحر المثيرة للجدل وهو إتفاق يقول منتقديه وهم على صواب انه سوف يؤدي إلى خسارة العديد من فرص العمل في الولايات المتحدة وفي الوقت عينه سوف يمنح الشركات العابرة للحدود سلطات واسعة على السياسات الوطنية في مجال التعليم والصحة وغيرها من المجالات. يخطط ترامب أيضاً للتخلص من الشراكة عبرالأطلسي في مجال التجارة والإستثمار بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي من شأنها تخفيف القوانين الناظمة لأنشطة الشركات العابرة للحدود في مجال الأمن الغذائي والبيئة والمصارف كما يخطط لإعادة التفاوض حول إتفاق التجارة الحرة في أمريكا الشمالية(نافتا) ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوتر مع كندا.
يبدو أن ترامب يخزض صراعاً ضد غالبية أجهزة الإستخبارات الأمريكية ويسعى بنشاط لإعادة هيكلة الحكومة وتخفيف الضوابط والتوازنات وبالتالي تعزيز سلطته التنفيذية.
لقد أعاد كبير المخططين الإستراتيجيين في إدارة ترامب ستيف بانون هيكلة مجلس الأمن القومي بشكل كامل بحيث ضمن مقعداً دائماً لنفسه ولرئيس الأركان ريتشارد بريبيوس في لجنة المدراء التابعة للمجلس، أما مدير الإستخبارات الوطنية ورئيس هيئة أركان الجيوش فيحضران الإجتماعات إذا تمت دعوتهما كما تم إستبعاد وزير الطاقة والمندوب الأمريكي في الأمم المتحدة من حضور إجتماعات المجلس بشكل نهائي. الأمر الذي يسمح للبيت الأبيض بتوجيه سياسة أعلى هيئة للأمن القومي.
قام ترامب بعزل جميع الموظفين الكبار في وزارة الخارجية تقريباً كما قام بإختبار ولاء وزارة الداخلية عن طريق الأمر الذي أصدره حول "منع المسلمين" من دخول الولايات المتحدة.
ماذا يحدث إذن؟ هنالك مقاربة من جوردان غرينهال لوضع حركة ترامب ضمن إطار، حيث يعتبر غرينهال أن ما قام به ترامب هو تمرد محافظ ("ديانة حمراء") على المؤسسة الليبيرالية (" الكنيسة الزرقاء") المؤيدة للعولمة ("الدولة العميقة"). ويعتبر أن ترامب يقود إنقلاباً قومياً ضد العولمة النيو-ليبيرالية مستخدماً تكتيكات جديدة من "الذكاء الجماعي" لكي يكون أكثر دهاءً وحيلة ولكي يتفوق على خصومه في المؤسسة الليبيرالية.
إنها صورة جزئية جداً في أحسن الأحوال.
في الواقع لقد افتتح ترامب شيئاً أكثر خطورة بكثير:
إن نظام ترامب لا يعمل خارج إطار الدولة العميقة بل إنه يقوم بتحريك بعض عناصرها للهيمنة عليها ولتقويتها من أجل مهمة جديدة.
إن نظام ترامب لا يعمل على قلب المؤسسة بل على تعزيزها وتقويتها لمواجهة أزمة أوسع تلوح أمام هذا النظام العميق العابر للحدود.
إن نظام ترامب ليس تمرداً على المؤسسة الليبيرالية بل هو عمل من أجل تشكيل بنية إيديولوجية للأزمة الراهنة على أنها معركة بين المحافظين والليبيراليين، يوجهه فصيل من  القوميين البيض المتطرفين في النخبة العالمية.
إن هذا العمل نتاج مباشر للأزمة الشاملة للنظام، لكنه رد فعل قصير النظر وغير مدروس، ينشغل بالأعراض السطحية لهذه الأزمة. وللأسف فإن من أرادوا مقاومة رد فعل ترامب فشلوا أيضاً في فهم نظام حركية الأزمة.
يمكننا فهم كل ذلك فقط إذا نظرنا إلى الصورة الشاملة. ذلك يعني ما يلي: علينا أن نرى عن قرب من هم الأفراد الذين بشكلون إدارة ترامب وما هي الشبكات الإجتماعية والمؤسسات التي يمثلها هؤلاء، وماالذي ينشأ عن إرتباطهم بالحكومة، علينا وضع ذلك في سياق عاملين إثنبن: تصاعد حدة الأزمة العالمية للنظام والصياغة الإيديولوجية التي سيستعملها نظام ترامب حيال هذه الأزمة (سواء كان ذلك لإستعمالهم الخاص بهم أم للإستهلاك العمومي)، وعلينا كذلك أن نقوم بربط هذا الأمر بتأثيره على النظام العميق العابر للحدود وكيفية إرتباطه بالدولة العميقة في الولايات المتحدة. بعدها يتوجب أن نكتشف ماالذي يعنيه ذلك من ناحية نطاق الأفعال التي من الممكن أن يلجأ إليها نظام ترامب لمتابعة أهدافه التي رسمها.
هذا المقال الإستقصائي يساعد في تشكيل أرضية فكرية يمكن لأي كان أن يبني عليها استراتيجية ذات معنى تستجيب لكل التعقيدات المنهجية لهذه اللحظة الترامبية التي نعيشها.
الخطوة الأولى لتشخيص هذه اللحظة الترامبية تكمن في معرفة وفهم من هم قادة هذه اللحظة. وسوف نبدأ بتفحص بعض أهم الأسماء والتعيينات التي عينها ترامب في إدارته.
 
1- نظام ترامب
 
وحوش المال
 
في حال تمت المصادقة على كل الأشخاص الذين عينهم ترامب ستكون حكومته إحدى أكثر الحكومات التي غالبية أعضائها من رجال الأعمال وأكثر الحكومات صداقة للشركات الكبرى في التاريخ الأمريكي.
هنالك خمسة من أصل 15 وزيراً ليس لديهم أي خبرة في القطاع العام بل إنهم أمضوا حياتهم المهنية كلها في قطاع الشركات الكبرى الخاصة. " إن ذلك يعتبر أكبر عدد من رجال الأعمال الذين ليس لديهم أي خبرة في القطاع العام تضمهم معاً حكومة واحدة" كما يخلص إلى ذلك مركز بيو للبحوث.
نبدأ مع بيتسي ديفوس التي تمت تسميتها كوزيرة للتعليم. إنها مليارديرة متزوجة من إبن صاحب تكتل امواي (الطريق الأمريكي) للتسويق. 
أندرو بوزدير تمت تسميته كوزير للعمل. ملياردير، الرئيس التنفيذي لسلسلة مطاعم الوجبات السريعة سي كاي اي.
ويلبير روس تمت تسميته كوزير للتجارة، متمرس وذو خبرة طويلة مع وول ستريت. ملياردير وخبير مالي يستثمر في شراء وبيع الشركات التي تمر بضائقة، بنى ثروته في البداية من عمله كمدير لصندوق مجموعة روتشيلد.
ستيفين منوشين، تمت تسميته كوزير للخزانة، شريك سابق في مصرف غولدمان ساكس الإستثماري العالمي، مدير أحد صناديق التحوط، وحتى وقت تسميته كان عضو مجلس إدارة للشركة المالية القابضة فورتشن 500 التابعة لمجموعة سي آي تي. كذلك هو عضو في جمعية الجمجمة والعظام السرية التابعة لجامعة يال.
فنسنت فيولا، تمت تسميته كوزير للدفاع، ملياردير ورئيس سابق لبورصة نيويورك (نايميكس) ورئيس حالي لشركة فيرتشو فاينانشال التجارية الإلكترونية.
ليندا مكماهون، تمت تسميتها كمديرة مسؤولة عن الشركات الصغيرة. أحد مؤسسي شركة المصارعة الحرة التي تقدر قيمتها حالياً بنحو مليار ونصف المليار دولار ورئيستها التنفيذية السابقة ومتزوجة من الملياردير متعهد مباريات المصارعة الحرة فنسنت مكماهون.
غاري كوهن، تمت تسميته كبير مستشاري ترامب الإقتصاديين ومدير للمجلس الإقتصادي القومي التابع للبيت الأبيض. قبل تسميته بوقت قصير كان يعمل كرئيس تنفيذي مسؤول عن الوظائف في مصرف غولدمان ساكس.
أنتوني سكاراموتشي، عمل مستشاراً رئيسياً لترامب في اللجنة التنفيذية لفريق الإنتقال الرئاسي. شارك في تأسيس وإدارة شركة الإستثمار العالمية سكاي بريدج كابيتال. مثل ستيف بانون بدأ حياته المهنية في مصرف غولدمان ساكس.
والتر كلايتون، تمت تسميته لرئاسة لجنة الرقابة والتداولات وهي أعلى هيئة رقابية في الصناعة المالية. محام في وول ستريت عمل على إنجاز العديد من الصفقات التجارية لكبريات المصارف، مثل استحواذ مصرف باركليز كابيتال على أصول تابعة لمصرف ليمان براذرز، وبيع مصرف بير ستيرنس إلى مصرف ج ب مورغان تشاس، واستثمار أموال الخزينة الأمريكية في مصرف غولدمان ساكس. بنفس الكفاءة شارك بالحملة لتخفيف القيود عن الشركات الأجنبية وسعى إلى تطبيق متساهل لقانون مكافحة ممارسات الفساد الخارجية . زوجته غريتشن باتلر تعمل في مصرف غولدمان ساكس كمستشارة خاصة في إدارة الثروات.
هذا الفريق من الخبراء من وحوش المال لا يخطط بالطبع للعمل في سبيل مصلحة العمال الأمريكيين بل سيقومون بدل ذلك بفعل الشيئ الذي يتقنونه بإمتياز: إستخدام السلطة الضخمة للدولة الأمريكية من أجل تحطيم أية قوانين تقيد التمويل المصرفي العالمي ما أمكنهم ذلك، مع سعيهم لإعطاء الأفضلية للمصارف والشركات الأمريكية.
كان ذلك الفريق المالي لترامب ونأتي الآن للفريق النفطي
 
 مهووسو الوقود الأحفوري
 
لم يتم شراء إدارة ترامب من قبل وول ستريت فقط. لقد تم شراؤها من قبل صناعة النفط والغاز والفحم. لنستعرض الأسماء:
ريكس تيليرسون، تمت تسميته كوزير للخارجية، رئيس ومدير تنفيذي سابق في عملاق النفط والغاز اكسون موبيل. وبإعتبارها أكبر وأعظم شركات النفط على الإطلاق فإن اكسون موبيل بالتالي لها أكبر المصلحة في استمرار استغلال الوقود الأحفوري. يقيم تيليرسون علاقات تجارية وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وترأس سابقاً الشركة المشتركة الأمريكية-الروسية اكسون نفت غاز. وهو صديق ايغور سيشين الذي يرأس قسم الإستخبارات العسكرية التابع للكرملين المعروف بإسم "سيلوفيكي". كما كان لاكسون موبيل علاقات حميمية مع السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة أثناء تولي تيليرسون منصبه في الشركة. لقد كافأ ترامب تيليرسون بكرم فائق على خدماته التي أداها-91% من 1.8 مليون دولار تبرعت بها لجنة العمل السياسي التابعة لشركة اكسون موبيل  برئاسة تيليرسون للقضاة الفيديراليين في هذه الإنتخابات ذهبت إلى الجمهوريين.
من المعلوم جيداً أن شركة اكسون موبيل مولت حملة لإنكار تأثير النفط على المناخ بما يقدر بعشرات ملايين الدولارات. أما غير المعلوم جيداً فهو أنه في سنوات 1970 كانت اكسون موبيل تملك أبحاثاً علمية تثبت صحة الواقعة العلمية عن التغير المناخي. الآن إتخذ المتنفذون في الشركة قراراً يصب في مصلحة أعمالهم يتمثل بالسعي لإلغاء تلك الأبحاث وتمويل كل المساعي الهادفة لتقويض علم المناخ وحرمانه من المصداقية.
ريك بيري، الحاكم السابق لولاية تكساس، تمت تسميته كوزير للطاقة. بيري عضو مجلس إدارة في شركتي اينيرجي ترانسفير بارتنرز و سونوكو لوجستيكس بارتنرز اللتين تقومان بتنفيذ مشروع داكوتا لخطوط النفط. تبرع الرئيس التنفيذي لشركة اينيرجي ترانسفير بارتنرز بمبلغ 5 ملايين دولار من أجل دعم بيري لدى لجنة العمل السياسي في الشركة. إضافة إلى ذلك  تلقت حملات بيري الإنتخابية أكثر من 2.6 مليون دولار من شركات النفط والغاز. 
سكوت برويت، تمت تسميته كرئيس لوكالة حماية البيئة. شغل منصب النائب العام في ولاية اوكلاهوما. يملك سجلاً في الملاحقات القانونية التي أطلقها لإضعاف وتجاوز قوانين ذات الوكالة ليس في مجال إنبعاثات الكربون فقط بل في كل مجالات القواعد البيئية الجوهرية في مجال تلوث الهواء والمياه. وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد أوردت أن برويت ونواب عامون جمهوريون آخرون عقدوا "تحالفاُ سرياً غير مسبوق" مع صناعة النفط.
رايان زينك، تمت تسميته كوزير للداخلية. رفض القبول بالدقة العلمية التي توافق عليها العلماء حول كون النشاط البشري هو العامل الحاسم في التغير المناخي أثناء جلسات الإستماع في مجلس الشيوخ. دعم زينك في الماضي القرارات حول الطاقة النظيفة لكنه في شهر أيار 2016 قام بتبني مشروع قانون يقضي بتحديد مهلة زمنية للحظر الذي فرضه اوباما على استخراج الفحم. صوت على الدوام ضد القرارات المتعلقة بحماية البيئة وأيد استخدام الوقود الأحفوري كما سعى إلى تقليص تدخل الحكومة والولايات في عملية إدارة الأراضي العمومية وفي نفس الوقت عارض الإجراءات المتخذة لحماية الأنواع المهددة بالإنقراض.
تقوم فلسفة زينك أساساً على شعار " إحفر يا عزيزي إحفر". ولهذا حصل على أكثر من 300 ألف دولار كتبرعات من شركات النفط والغاز التي تسعى لتسريع عمليات الحفر في الأراضي العمومية. 
مايك كاتانزارو، تمت تسميته كمساعد في مجال الطاقة والبيئة. هو أيضاً من الأشخاص الذين ينكرون أثر النشاط البشري على المناخ ويعمل لصالح لوبي صناعة النفط والغاز حيث يعمل لصالح شركات عديدة منها كوخ اندوستريز، امريكاز ناتشرال غاز اليانس (أنغا)،  هاليبرتون، نوبل اينيرجي، هيس كوربوراشن وغيرها من الشركات. في بداية حياته المهنية عمل كنائب لمدير حملة بوش- تشيني الإنتخابية عام 2004.
   إن مهووسي الوقود الأحفوري يريدون حرق كل ما يستطيعون من النفط والغاز والفحم مهما تكن تكلفة ذلك وهم عازمون على إزالة أية قوانين وإجراءات لحماية البيئة قد تقف في طريقهم.
 
فرقة العمليات السوداء
 
من الخطأ أن نفترض أن صراع ترامب مع أجهزة الإستخبارات الأمريكية يعني أنه بالضرورة على خلاف مع المجمع العسكري-الصناعي. بالعكس إن الأشخاص الذين عينهم ومستشاريه في مجال الدفاع هم جزء لا يتجزأ من هذا المجمع. مثلاً وزيرة التعليم في حكومة ترامب ديفوس هي شقيقة ايريك برينس سيئ الصيت الذي أسس الشركة الأمنية الخاصة بلاك ووتر ذات السمعة الملطخة بالعار والتي تم إغلاقها بعد المجزرة التي ارتكبتها بحق 17 مدنياً عراقياً و تعرف الآن بإسم أكاديمي. 
لقد أكد مصدر في فريق ترامب الإنتقالي أن ايريك برينس قدم النصائح لفريق ترامب الأمني والإستخباراتي. برينس يدير الآن شركة أمنية أخرى تدعى، فرونتيير سيرفيسيز غروب. وهو يؤيد الإقتراح الذي تقدم به ترامب حول حق الجيش الأمريكي بالإستيلاء على النفط العراقي ويوصي بزيادة وتصعيد نشر الشركات الأمنية الخاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثل ليبيا من أجل فرض النظام على اللاجئين.
الجنرال "ماد دوغ" (الكلب المسعور) جايمس ماتيس وزير دفاع ترامب. كان أيضاً، وحتى تاريخ استقالته بسبب تعيينه في منصبه، عضواً في مجلس إدارة شركة جنرال داينيمكس، وهي خامس أكبر شركة مقاولات في المجال الدفاعي في العالم. ماتيس عضو أيضاً في هيئة مجلس إدارة شركة ثيرانوس وهي شركة تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية وقد عرفت بتقنيتها المشكوك بها حول الفحص المؤتمت للدم عن طريق رأس الأصبع.
الفريق مايك فلين كان مستشار ترامب لشؤون الأمن القومي حتى إستقالته بتاريخ 13 شباط الجاري بسبب علاقاته مع روسيا. كان رئيساً لوكالة الإستخبارات العسكرية التابعة للبنتاغون في عهد اوباما، ورجل استخبارات خبير بالعمليات الخاصة لفترة طويلة. شغل منصب مدير الإستخبارات في القيادة المشتركة للعمليات الخاصة، ومدير الإستخبارات في القيادة المركزية الأمريكية، وقائداً للقيادة المشتركة متعددة الوظائف في مجال الإستخبارات والمراقبة والإستطلاع، ورئيساً  للجنة الإستخبارات العسكرية، ونائباً لمدير الإسخبارات القومية. يدير فلين كذلك شركة فلين انتيل غروب وهي شركة خاصة بالإستشارات الإستخباراتية.
نشر فلين مؤخراً كتاباً ألفه بالإشتراك مع مايكل ليدين بعنوان "ميدان المعركة، كيف يمكننا الإنتصار في المعركة الكونية ضد الإسلام الراديكالي وحلفائه". يعتبر مايكل ليدين من نجوم المحافظين الجدد في مجال الإستشارات الدفاعية وكان أحد أركان إدارة ريغان وقد تورط في فضيحة ايران كونترا حيث كان يعمل مستشاراً لمستشار الأمن القومي الأمريكي حينها روبرت ماكفرلين. يعمل حالياً كباحث في مجال الحرية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (اف دي دي)، دافع بقوة وأيد غزو العراق سنة 2003 ( كان متورطاً بشكل مباشر في قضية الكعكة الصفراء المزورة التي كان الهدف منها إختلاق خطر أسلحة الدمار الشامل لتبرير الحرب) كما ساهم في الحملات المؤيدة للتدخل العسكري في سوريا وايران وغيرهما. كان لنظرته العدوانية في مجال السياسة الخارجية تأثير عميق على صياغة استراتيجية إدارة بوش في السياسة الخارجية. 
من المثير للإهتمام ملاحظة إلى أي مستوى ينحني ليدين وفقاً لفلسفته السياسية. في كتابه "توكفيل، عن الشخصية الأمريكية" الصادر سنة 2000 يجادل في أن القائد السياسي في بعض الظروف " وبهدف الوصول إلى أكثر الغايات نبلاً يمكن للقائد أن "يتلبس الشيطان" (الصفحة90). ويجادل أن الإله المسيحي يقر ذلك : " بما أنه يعتبر الخير الأعلى فإن الدفاع عن الوطن هو واحد من تلك الحالات القصوى التي تبرر للقائد أن يرتكب الشرور." (الصفحة 117).
هذه الطريقة من التفكير قادته إلى دعم "إحراق" الشرق الأوسط. كتب في عام 2002 تأييداً لغزو العراق أن: " بإمكان المرء أن يأمل فقط بأن نحول المنطقة إلى مرجل يغلي، أسرعوا من فضلكم. إن كان هنالك من منطقة تستحق بشكل كبير أن يتم حرقها اليوم فهو الشرق الأوسط."
الجنرال جون كيلي، تمت تسميته كوزير للأمن الداخلي. جنرال متقاعد من البحرية الأمريكية. خدم في عهد اوباما كقائد للقيادة الحنوبية الأمريكية، كان مسؤولاً للعمليات العسكرية الأمريكية في أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي. قبل ذلك كان كيلي جنرالاً قائداً للقوات المتعددة الجنسية في غرب العراق، وقائداً لقوات الإحتياط البحرية وقوات بحرية الشمال. هو أيضاً نائب رئيس مجموعة سبيكتروم وهي مجموعة لوبي للحصول على عقود دفاعية، وهو عضو مجلس إدارة في شركتين خاصتين متعاقدتين مع البنتاغون هما: شركة مايكل بيكر انترناشونال وشركة ساليبورت غلوبال.
جيمس وولسي، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية وهو من المحافظين الجدد راسخي القناعة. نائب رئيس سابق في شركة بووز الين هاميلتون المتعاقدة مع وكالة الأمن القومي. هو واحد من الشخصيات الأساسية في في فريق ليدين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. من أوائل مؤيدي ترامب وكان كبير مستشاريه لإنتقاء فريقه الرئاسي الإنتقالي. إنسحب من الساحة نتيجة تحفظاته على مخططات ترامب لإعادة هيكلة المجمع الإستخباراتي.
الفريق جوزيف كايث كيللوغ، تمت تسميته كرئيس للعاملين والسكرتاريا التنفيذية في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض- لكنه حل محل فلين كمستشار للأمن القومي. كان كيللوغ المسؤول الأعلى عن تكنولوجيا المعلومات خلال غزو العراق عام 2003 في ظل إدارة بوش.
أصبح رئيس مكتب العمليات التابع لسلطة التحالف المؤقتة في بغداد وهي الآلية التي وضعها الإختلال الأمريكي لإدارة العراق في الفترة ما بين شهر تشرين الثاني 2003 وشهر آذار 2004 وهي الفترة المعروفة على نطاق واسع بكونها فترة الفساد وإنعدام الكفاءة.
أصبح كيللوغ عضواً في مجلس إدارة شركة جي تي اس آي كورب الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والمتعاقدة مع الحكومة الأمريكية حيث عاد بصفة مدير مستقل بعد مهمته في العراق التي استمرت منذ 2004 حتى سنة 2013. غيرت الشركة اسمها إلى "يونيكوم غوفيرنمنت انك" في محاولة لإبعاد نفسها عن سوء السلوك الذي تم كشفه سابقاً.
فيما بعد إنضم كيللوغ إلى مجلس مستشاري شركة رايثيون تراستيد كمبيوتر سوليوشينز انك المتعاقدة مع وزارة الدفاع الأمريكية وإنضم إلى المجلس الإسترتيجي الإستشاري لشركة ريداكس ديفنس المتعاقدة مع الجيش الأمريكي والمملوكة بشكل جزئي من قبل ريجينا دوغان المديرة السابقة لوكالة مشاريع الدفاع و الأبحاث المتطورة التابعة للبنتاغون (دي اي آر بي اي).
في عام 2012 فضحت مجلة وايرد قيام شركة ريداكس بإختراع تقنية لكشف القنابل بناءً على عقد بعدة ملايين من الدولارات مع (دي اي آر بي اي) خلال إستلام دوغان لإدارة الوكالة وتبين أن هذ التقنية سخيفة. ورغم عيوبها تم شراء هذه التقنية بشكل واسع لصالح الجيش الأمريكي وغيره من الجيوش الحليفة حول العالم.
مايك بومبيو، حبة الكرز على قالب الحلوى. تمت تسميته كمدير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، عضو كونغرس عن الحزب الجمهوري وليس لديه أية خبرة واضحة أو مناسبة تسمح له بإدارة وكالة أستخبارات على المستوى القومي، ماعدا شيئ واحد ربما، كما كتبت جاين ماير في كتابها المال القاتم: التاريخ المخفي لأصحاب المليارات المسؤولين عن صعود اليمين المتطرف (عن دار دوبلداي 2015) هو أنه" متشابك لدرجة كبيرة مع الأخوة كوخ في إنكارهم للتغيرات المناخية لدرجة أنه بات يعرف بلقب "عضو الكونغرس عن آل كوخ".
إن الأخوة كوخ، الذين جمعوا ثروتهم الطائلة عن طريق الإستثمار في الوقود الأحفوري، قد باتوا يمتلكون خطاً مباشراً مع الوكالة الأولى للإستخبارات في أمريكا. هذا ما يدعى الإنقلاب.
 
عصابة كوكلوكس كلان
 
النزعة القومية البيضاء هي مكون جوهري آخر من محددات نظام ترامب.
ستيف بانون، مؤسس ورئيس موقع بريتبارت نيوز الذي يعد منبراً "لليمين البديل" حسب اعتراف بانون نفسه. موقع بريتبارت معروف على نطاق واسع بنشره المقالات والمواد "العنصرية والتمييزية ضد للنساء والمعادية للأجانب والمعادية للسامية". بانون منتج غزيرللأفلام وقد أنتج ومثل في عدة أفلام معادية للأجانب.
قبل صعوده ليصبح قطباً في عالم الإعلام أمضى بانون وقتاً قصيراً كمدير مساعد في تجربة المحيط الحيوي2 العلمية بين عامي 1993 و 1995 التي كانت بهدف خلق بيئة مستقلة "بنظام مغلق" حيث بإمكان مجموعة صغيرة من البشرأن يبقوا على قيد الحياة. في ذلك الحين كان بانون يشارك  بل ويدعم بقوة القلق الذي كان يعتري العلماء المشاركين في التجربة بسبب الخطر الذي يشكله التغير المناخي الذي تعود أسبابه، وكما قال هو حرفياً، إلى " تأثير غازات الدفيئة على البشر والنبات والحيوان." لاحقاً خضع بانون لشركة ايكسون على مايبدو واستدار نصف استدارة تجلت في المعارضة الجامحة التي تبناها موقع برايتبارت لفكرة أن حرق الوقود الأحفوري من قبل البشر يزيد من شدة التغيرات المناخية.
في عام 2007 أنتج بانون مسودة فيلمٍ وثائقيٍ بعنوان " تدمير الشيطان الأكبر: صعود الفاشية الإسلامية في أمريكا" والذي يتهم وسائل إعلامية عديدة، "الجامعات واليسار"، "الطائفة اليهودية الأمريكية" والإتحاد الأمريكي للحريات المدنية والمخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الخارجية والبيت الأبيض بأنهم "داعمين" لمهمة سرية تتمثل بإقامة "جمهورية اسلامية في الولايات المتحدة". تشاور بانون حول مسودة الفلم مع ستيفن ايميرسون الذي يعمل في المشروع الإستقصائي حول الإرهاب. في عام 2015 وصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون ايميرسون ب " الأحمق كلياً" بسبب إدعاءاته الكاذبة التي أدلى بها على شاشة فوكس نيوز حول أن بريطانيا ممتلئة بمناطق "لا يمكن دخولها" إلا للمسلمين (مثال مدينة بيرمنغهام كاملة) وأن لندن تعيش بذعر بسبب الشرطة الدينية الإسلامية التي تقوم بضرب وإهانة كل من يرفض أن يرتدي لباساً وفقاً للشريعة. تضمنت قائمة بانون للشخصيات التي تم محاورتها في مشروع الفلم مجموعة من اليمينيين المتطرفين المتعصبين. كان هناك إسمان بارزان ومعروفان في هذه القائمة هما وليد فارس الذي كان مستشاراً لترامب في شؤون الأمن القومي أثناء الحملة الإنتخابية وروبيرت سبنسر. والإثنان مرتبطان بمركز السياسة الأمنية (سي إس بي) في واشنطن وهو مركز أبحاث تابع لليمين المتطرف يديره الموظف السابق في وزارة الدفاع في عهد ريغان فرانك غافني، حيث يشاركان بشكل دوري كضيوف في برنامج "الحرية الآمنة" الإذاعي الذي يديره غافني. وليد فارس من المشاركين البارزين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية.
مركز(سي إس بي)الذي يديره فرانك غافني هو من دبر إستطلاع الرأي الذي شابته عيوب كثيرة والذي إستند إليه ترامب لتبرير "حظر سفر المسلمين" حين أعلن عن ذلك لأول مرة في أواخر العام 2015. لذلك فإنها حتماً ليست مصادفة أن تحتل كيليان كونواي التي نفذت الإستطلاع المعيب منصب مستشارة الرئيس.
يمتلك غافني درجة عالية من التأثير الإيديولوجي على نظام ترامب. حيث شارك 34 مرة على الأقل في برامج موقع برايتبارت الإذاعية. وتم ذكر أقواله في خطابات مايكل فلين مستشار ترامب للأمن القومي.
الأخطر من ذلك أن غافني يمتلك صلات مقلقة بالمجموعات النازية الجديدة التي ظهرت بكثرة في كل أوروبا مثل حزب الشعب الدانمركي و حزب فلامس بيلانغ (المصلحة الفلمنكية) البلجيكي. وفي ذات الوقت له ارتباطات وثيقة بالمجمع العسكري-الصناعي الأمريكي، حيث أظهر السجل الضريبي لمركز (سي إس بي) أنه تلقى التمويل من ستة شركات تعتبر من كبريات شركات الصناعة الفضائية والعسكرية في أمريكا، يمكن ذكر هذه الشركات بالإسم والمبالغ التي قدمتها: بوينغ (25000 دولار)، جنرال داينمكس (15000 دولار)، لوكهيد مارتين (15000 دولار)، نورثروب غرومان (5000 دولار)، رايثيون (20000 دولار) وجنرال الكتريك (5000 دولار). للمركز علاقة وثيقة بشكل خاص مع شركة بوينغ وهي ثاني أكبر شركة دفاعية في العالم والتي لازالت تقدم لمجموعة غافني "الدعم بشكل عام". 
مايكل رايلي، مدير الميزانية الفيدرالية وتحليل البرامج في شركة بوينغ منذ العام 2010، كان سابقاً نائب رئيس العمليات في مركز (سي إس بي).
هذه العلاقات المحرمة (سفاح القربى) مع القطاع العسكري الخاص الأمريكي أثمرت حيث أن 22 من رؤساء المكاتب أو المستشارين العاملين في مركز غافني (سي إس بي) إنتهى بهم المطاف بتعيينهم في إدارة جورج بوس الإبن.
السناتور جيف سيشنز هو المدعي العام في إدارة ترامب. لقد منحه مركز غافني جائزته السنوية " حامل الشعلة" سنة 2015. علماً أن سيشز معروف بتعاطفه مع عصابة كو كلوكس كلان العنصرية البيضاء. وإشترك بشكل وثيق مع المنظمات اليمينة المتطرفة المعادية للمهاجرين التي أسسها جون تانتون وهو من الوجوه البارزة القيادية في حركات القوميين البيض في أمريكا. سنة 1993 صرح تانتون قائلاً: "... لكي يبقى المجتمع الأوروبي-الأمريكي مستمراً يلزمنا غالبية أوروبية-أمريكية، أغلبية واضحة في هذا الأمر". بل إن المدعي العام الجديد الذي عينه ترامب معروف جيداً بأنه يسشهد في كثير من الأحيان بمقاطع من مجموعات تانتون ويظهر في مؤتمراتهم الصحفية وقد تلقى شهادة تقدير ودعماً لحملته من قبلهم.
إن الصلة بجون تانتون تقود إلى فتح علبة الديدان. كيليان كونواي، مستشارة ترامب لها صلات أيضاً مع جون تانتون. حيث تعاقد تانتون مع شركتها الخاصة بإستطلاع الآراء لصالح المنبر المعادي للهجرة الإتحاد من أجل إصلاح الهجرة الأمريكية (فاير). وهناك العديد من الشخصيات الرسمية في فريق ترامب لديهم علاقات تنظيمية مباشرة مع هذا الإتحاد التابع لتانتون ومنهم: لو بارليتا، كريس كوباتش وجولي كيرشنر. إن هذا الأمر يعني إرتباط شخصيات رسمية رفيعة بتاريخ قاتم من التحريض النازي الجديد في الولايات المتحدة. لقد تلقى تانتون مبالغ كبيرة من المال لصالح إتحاده من مؤسسة بيونير فوند وهي منظمة مؤيدة لمنح الإعتراف بالنازية ومولت مايسمى بعلم تحسين النسل- "العلم" الفاقد للصدقية حول "النقاء العرقي". تلقت منابر تانتون المتعددة والمعادية للهجرة التمويل من بيونير فوند حتى أواخر العام 2002. وبحسب دراسة نشرت في مجلة ألباني لاو ريفيو فإن بيونير فوند له إرتباطات مباشرة بعلماء نازيين وإن مدراؤه المؤسسون هم من المتعاطفين مع النازية. بل إن أحدهم قام بالسفر إلى ألمانيا سنة 1935 لحضور مؤتمر لتجمع نازي.   
ستيفن ميللر، مستشار سياسي رفيع لترامب. عمل سابقاً كمدير للتواصل في مكتب جيف سيشنز، وضع استراتيجية من أجل إفشال مشروع قانون تقدم به أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول الهجرة سنة 2013. خلال دراسته الجامعية عمل بشكل وثيق مع النازي-الجديد البارز ريتشارد سبنسر الذي كان أول من صاغ تعبير "اليمين البديل" كطريقة جديدة للإمساك بحركة تمثل وتعمل على الدفاع عن هوية العرق الأبيض.
أنكر ميللر أن يكون قد عمل بشكل وثيق مع سبنسر عندما كانا سوية في الجامعة كأعضاء في ديوك كونسيرفاتيف يونيون (إتحاد محافظ للطلاب في جامعة ديوك). وحسب إدعاء سبنسر فإن ميللر قد ساعده في جمع التبرعات والترويج من أجل تنظيم نقاش مفتوح في الحرم الجامعي حول سياسة الهجرة سنة 2007. شارك في ذلك الحدث بيتر يرايملو مدير موقع فيداير.كوم الذي يروج للقومية البيضاء والذي ينشر المقالات للنازيين-الجدد بشكل منتظم. تم التأكد من علاقة ميللر وسبنسر عن طريق المراسلات الإلكترونية بين سبنسر وبرايملو.
من المحتمل أن يكون مصدر تعاطف تانتون مع النازية الجديدة نابع ظاهرياً من مخاوف بيئية. في مقال كتبه مؤخراً يعترف قائلاً: " إن إهتمامي السابق بالهجرة كان سببه مخاوفي الكبيرة على البيئة."
من سنة 1971 وحتى سنة 1975 شغل تانتون منصب رئيس اللجنة الوطنية للسكان في واحدة من أقدم المنظمات البيئية في أمريكا وهي نادي السييرا. كانت نظريته تقول أن الهجرة تؤدي إلى تزايد مستمر في عدد السكان مما يتسبب بنضوب الموارد وبالضرر للبيئة. إن أزمة البيئة من وجهة نظر تانتون هي في عدد السكان الكبير خصوصاً. وهو يرى أن تضييق الخناق على الهجرة يمثل جزءاً من الحل- لسخرية القدر أن هذا الشخص يدير مؤسسة وطنية لشؤون الهجرة.
  هذا النموذج من الإيديولوجيا النازية الماكرة بدأ بممارسة نفوذه في البيت الأبيض عبر العديد من موظفي تانتون المؤدلجين المرتبطين بغافني وأعوانه الموجودين في نظام ترامب.
 
عصابة المرشد الروحي
 
إن الإيديولوجيا التي توحد وتضفي التماسك على شبكات النفوذ المتقاطعة هذه تأتي من مجموعة متنوعة من الأشخاص ولكن أبرزهم بشكل خاص هم :
مايكل أنطون وهو شخص غير معروف جيداً لكنه يتمتع بنفوذ قوي في إدارة ترامب، يعمل حالياً كمدير عام للإتصالات الإستراتيجية في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض. بدأ حياته المهنية كاتب لخطابات وسكرتير صحفي لعمدة مدينة نيويورك رودي جيولياني، بعد ذلك إنضم إلى إدارة بوش سنة 2001 كمساعد لمدير الإتصالات في مجلس الأمن القومي. إنتقل بعد ذلك ليتحول إلى كاتب لخطابات قطب الإعلام روبرت مردوخ في شركة نيوزكورب، وبعدها إنتقل للعمل في القطاع المالي حيث عمل أولاً مديراً للإتصالات في سيتي غروب وبعد ذلك مديراً تنفيذياً في شركة بلاكروك الإستثمارية.
لعب أنطون دوراً كبيراً في تملق وإقناع المحافظين بضرورة التصويت لترامب لتجنب أزمة إنحدارهم وسط الفشل المريع لليبيرالية وذلك عن طريق كتابة المقالات في المنشورات المحافظة ومن خلال الشبكات التي تعمل خلف الستار.
روبرت مردوخ له خط إتصال مباشر مع البيت الأبيض من خلال مايكل أنطون، لكن مالك نيوزكورب كابد عناء الذهاب شخصياً لإقامة هذا الخط المباشر. إستضاف ترامب في ملعب الغولف الذي يملكه في اسكتلندا مردوخ وزوجته جيري هال على العشاء في شهر حزيران 2016. بعدها شوهد مردوخ في برج ترامب في شهر تشرين الثاني 2016. من المنتظر أن يكون لمردوخ نفوذ مؤثر لدى ترامب الذي سأل مالك قناة فوكس نيوز أن يزكي أفضل مرشح لديه لرئاسة لجنة الإتصالات الفيدرالية كما قيل.
إن للصلة بمردوخ تشعبات مثيرة للقلق. مردوخ عضو في مجلس إدارة الشركة الأمريكية جيني اويل اند غاز للطاقة منذ العام 2010. وقد تعاون مع اللورد جاكوب روتشيلد، رئيس صندوق روتشيلد للإستثمارات، لشراء حصة تبلغ 5.5% من رأسمال الشركة قدرت حينها بإحدى عشر مليون دولار.
عمل مردوخ وروتشيلد في المجلس الإستشاري الإستراتيجي التابع لهذه الشركة إلى جانب كل من لاري سومرز المدير السابق للمجلس الإقتصادي القومي في عهد اوباما، وجيمس وولسي كبير مستشاري ترامب سابقاً، وديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وبيل ريتشاردسون وزير الطاقة في عهد بيل كلينتون وحاكم ولاية نيومكسيكو.
يتبع لشركة جيني اويل اند غاز شركتين رئيسيتين. الأولى هي شركة آفيك اويل اند غاز التي تعمل في اسرائيل والتي تقوم حالياً بأعمال الحفر في مرتفعات الجولان، والتي تعتبر أرضاً سورية بحسب القانون الدولي. إستولت إسرائيل على الجولان سنة 1967، وقامت بضمه سنة 1981 بشكل أحادي الجانب وفرض القانون الإسرائيلي عليه. الشركة الثانية هي اميريكان شال اويل، وهي مشروع مشترك مع شركة توتال الفرنسية العملاقة، وتعمل في ولاية كولورادو الأمريكية.
على موقعها الإلكتروني تنشر الشركة (اميريكان شال اويل) تصريحاً غير عادي يتعلق بأسباب تركيزها على النفط والغاز غير التقليديين: 
" إن بلوغ الإنتاج العالمي من النفط مرحلة الذروة يشكل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة والعالم.ويجب أن يتم إتخاذ عمل هجومي لتجنب عواقب إقتصادية وإجتماعية وسياسية غير مسبوقة."
إن هذا التصريح يكشف بشكل جيد عن الكثير حول كيفية فهم الأزمة لدى أولئك الأشخاص النافذين في نظام ترامب.
أبعد من ذلك فقد عززت إدارة ترامب صفوفها برجل يتمتع بعلاقات واسعة مع الدولة العميقة: هنري كيسنجر.
منذ شهر كانون الأول 2016 أصبح كيسنجر المرشد الروحي غير الرسمي لترامب في مجال السياسة الخارجية، كيسنجر هو وزير الخارجية الأسبق سيئ الصيت الذي اتهم بشكل مقنع بالمشاركة في جرائم الحرب من قبل المرحوم كريستوفر هيتشينز، و الذي لعب دور المستشار المباشر في عهدي بوش واوباما. كيسنجر كان المستشار السري في شؤون الأمن القومي للرئيس بوش، وفي عهد اوباما كان منخرطاً بشكل مباشر في دائرة القرار في مجلس الأمن القومي الأمريكي.
يبدو الآن أن كيسنجر منخرط بشكل وثيق في التحول الذي شهدته سياسة ترامب الخارجية تجاه روسيا والصين. لعبت شركته، كيسنجر اسوشياتس، دوراً مركزياً منذ بضعة سنوات في تسهيل إنتقال العديد من الشركات الأمريكية إلى إستثمارات صينية رابحة. 
إن شخصية ترامب الغريبة وغير المنضبطة، إضافة إلى تصريحاته السياسية المرتجلة والفوضوية ربما هي ما حببت ترامب إلى كيسنجر، الذي إعتبر أن " عدم القدرة على التنبؤ" هي من السمات المميزة لرجال الدولة العظام. مثل هؤلاء القادة يعملون خارج أسلوب "توقع الكوارث" الذي يقترحه خبراء المؤسسة الحاكمة والذي يوصي بتوخي الحذر، بدلاً من ذلك ينغمس هؤلاء القادة "بالإبداع الدائم وبإعادة تحديد الأهداف بشكل دائم." إن رجال الدولة العظام لديهم القدرة بشكل متساوي على "الحفاظ على النظام في كماله" وكذلك على "إمتلاك القوة في توقع الفوضى" حيث يمكنهم حينها "العثور على المادة الأولية لإبداع جديد."
الدور الحاسم الذي لعبه كيسنجر في تطوير استراتيجية ترامب الخاصة بالشرق تم الكشف عنه في الصحيفة الألمانية واسعة الإنتشار بيلد التي حصلت على وثيقة من فريق ترامب الرئاسي تؤكد دور كيسنجر بصفته العقل المدبر المفتاحي الذي تمت الإستعانة به لصياعة طريقة جديدة لإعادة بناء العلاقات مع روسيا. تتضمن خطة كيسنجر رفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية عن روسيا- مما يمهد الطريق لشراكة رابحة محتملة بين شركات النفط والغاز الأمريكية والروسية- والإعتراف بسيادة روسيا على القرم.
أما نصيحة كيسنجر حول الصين فغير معروفة بشكل كامل حتى الآن. كتب بيبي اسكوبار في صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن خطة كيسنجر بما يتعلق بالصين هي الإقتراح على ترامب بإتباع سياسة هي مزيج من "توازن القوى وفرق تسد. تقضي هذه السياسة بإغراء روسيا بالإبتعاد عن شريكها الإستراتيجي أي الصين، وبإبقاء الصين بشكل دائم في حالة تأهب قصوى، وبإستهداف داعش مع الإستمرار بالتحرش بإيران." 
تعزز الدور الإستشاري "غير الرسمي" لكيسنجر في نظام ترامب عبر النفوذ المباشر لأحد مساعديه القدامى.
ك.ت.ماكفرلاند التي تم تعيينها كنائب لمايكل فلين بصفة نائب مستشار الأمن القومي، كانت أحد مساعدي كيسنجر في مجلس الأمن القومي خلال ولاية نيكسون من العام 1970 إلى العام 1976. وبصفتها تلك لعبت دوراً كبيراً في العمل على مذكرة كيسنجر السرية سيئة الصيت سنة 1974، حملت المذكرة الرقم (ان اس اس ام 200) أي مذكرة دراسة عن الأمن القومي رقم 200. تلك الوثيقة تدافع عن وجهة النظر القائلة أن التزايد السكاني في الدول الأشد فقراً يشكل التهديد الرئيسي لأمن ومصالح الولايات المتحدة ماوراء البحار ويهدد بشكل خاص وصول الولايات المتحدة إلى "مخزونات الثروة المعدنية". 
 
لنجعل أمريكا تكره من جديد
 
يبدو أنه يوجد الكثير من النقاط المشتركة بين الجماعات المختلفة التي يضمها نظام ترامب. من بينهم من لديه الخبرات وتقدير الأزمة: ريكس تيليرسون وستيف بانون مثلاً، لديهم خلفية للإعتراف بواقع الأزمة البيئية الكونية.
مجموعة المصالح المرتبطة بمردوخ تؤمن بأن هنالك أزمة إجتماعية وإقتصادية وسياسية وشيكة ستنتج عن الذروة النفطية.
غالبية فريق ترامب ترى أن مهمتها تكمن في إنقاذ صناعة النفط الأحفوري من الأزمات الخارجية، وهم يميلون جميعهم الآن ظاهرياً لنفي خطورة الآثار البيئية لهذه الصناعة.
جميعهم يهتمون بالفوائد التي يجنيها أصدقاؤهم في وول ستريت.
إن عدداً كبيراً من المرتبطين بفريق ترامب لهم صلات مع جون تانتون ذو الأفكار النازية المتجذرة بقناعته المستمدة من علم تحسين النسل من أن المشكلة البيئية تعود إلى وجود عدد كبير من الناس من غير البيض.
اليوم يعتمد فريق ترامب للأمن القومي على رؤى فريق كيسنجر في إدارة نيكسون السابقة المتعلقة بالتهديد الذي تشكله البلدان الفقيرة والمكتظة بالسكان على إمكانية الولايات المتحدة في الوصول إلى موارد الغذاء والطاقة والمواد الأولية – والحل يكمن في "إحراق" الدول المهمة للمصالح الإستراتيجية.
إن "إدراك الأزمات" لا يستند إلى أرضية ذات بصيرة منهجية على كل حال: بل يرتكز إلى رؤية متكسرة عبر عدسات ضيقة لخدمة ذاتية للسلطة. فالأزمات تكون ذات معنى بقدر ما تشكله من تهديد لمصالحهم فقط. لكن الأهم من ذلك هو قناعتهم التي تلي ذلك حول كيفية الرد على تلك الأزمات والذي ينتهي إلى أن يكون منكسراً عبر الإطار الإيديولوجي للقطبية المحافظة- الليبيرالية.
 
2. النظام العميق
 
قد تكون النقطة الأكثر قوة في تمحيصنا لمعرفة من تكون إدارة ترامب حقاً هي أن نظام ترامب ليس من خارج الدولة العميقة. بل بالعكس، إن الأشخاص الذين يحتلون المناصب الرئيسية في إدارته، سواء كانوا رسميين أم غير ذلك، هم نقاط التقاطع المفتاحية التي تمثل كل شرائح الشبكات الإجتماعية والمؤسساتية في قلب وعبر الدولة الأمريكية العميقة الأوسع.
لا يتضح هذا الأمر بشكل فوري، وذلك لأنه يوجد الكثير من سوء الفهم حول ماهية الدولة العميقة. إن الدولة العميقة ليست ببساطة " المجمع الإستخباراتي". حين يتم إمتلاك فهم أكثر دقة عن الدولة الأمريكية العميقة وتغلغلها التكافلي في نظام عميق عابر للدول، حينها يمكن أن نستشف بشكل صائب الدور الذي تقوم به عصبة ترامب.
 
الدولة السرية، النظام المعتم
 
في كتابه، السياسة العميقة ومقتل جون كينيدي (الصادر عن جامعة كاليفورنيا، 1996)، صاغ البروفيسور بيتر دايل سكوت مصطلح السياسة العميقة ليعبر عن دراسة الممارسات الإجرامية والخارجة على القانون التي ترتبط بالدولة. وقد عرف النظام أو المسار السياسي العميق بأنه النظام الذي تلجأ فيه الهيئات المؤسساتية وغير المؤسساتية، والعصابات الإجرامية، والسياسيون، والقضاة، ووسائل الإعلام، والشركات الكبرى، وموظفو الحكومة الكبار إلى "إتخاذ القرار وتطبيق الإجراءات التي يقرها القانون والمجتمع أو الخارجة عنه على حد سواء. إن الذي يجعل من هذه الإجراءات الإضافية " عميقة" هو كونها خفية أو مكتومة، وغير معروفة من  العامة كما أنها خارج المسارات السياسية المقبولة."
إن التحليل السياسي العميق يهتم بكشف نزعة الدولة للمشاركة في نشاط يعتبر خارجاً عن سيادة قانون الدولة ذاتها. بحسب وجهة نظر علم السياسة التقليدية فإن تطبيق القانون والعالم السفلي للجريمة هما شيئان متناقضان حسث يصارع الأول  في سبيل التمكن من السيطرة على الأخير. ولكن كما يلاحظ سكوت:
" إن التحليل السياسي العميق يبين أنه خلال الممارسة العملية فإن الجهود التي تبذل من أجل السيطرة تؤدي إلى إستخدام مخبرين ذوي سوابق إجرامية، إستمرت هذه الممارسة لمدة طويلة، مما حول المخبرين إلى عملاء مزدوجين لهم مكانتهم في أوساط الشرطة وأوساط الرعاع على حد سواء. إن حماية المخبرين وجرائمهم يشجع المحسوبيات والرشاوي والفساد الممنهج في نهاية الأمر. تبرز ظاهرة "الجريمة المنظمة": أي كامل البنى الإجرامية  التي يتم التغاضي عنها من قبل الشرطة لأنها تفيدها في الوشاية عن المجرمين الصغار."
هذا الأمر يقود إلى نوع من التكافل بين الدولة والمجرمين، ويصبح تحديد المعايير حول من الجهة التي تسيطر على الأخرى ضبابياً. من الخارج، يبدو الأمر وكأنه بروز بعد " عميق" غير مرئي لنشاطات الدولة يربطها بالجريمة المنظمة، بينما الذي يحصل واقعياً هو أن الدولة قابلة للإختراق بشكل متأصل: الجانب "العميق" وغير المرئي منها يربطها بكل الفاعلين من أشخاص خاصين خارجين عن القانون يبحثون غالبا عن العمل خارج أو بخرق القانون- أو تطويع القانون لخدمة مصالحهم.
في مؤلفه الأخير، الدولة الأمريكية العميقة، (في الصفحة 14) يقر سكوت أيضاً أن الدولة العميقة " ليست بنية بل نظام، من الصعب تعريفه، لكنه حقيقي وله سطوة، مثل النظام المناخي."
كما بينت في بحثي الذي نشر في المختارات، الدولة المزدوجة (الصادر عن روتليدج، سنة 2016)، فإن واحداً من أقل ملامح السياسة العميقة فهماً حينها، هو أن "الدولة العميقة" يجب أن يتم ربطها بشبكة ذات طيف واسع من الأشخاص  ذوي النفوذ لا يعملون في الدولة وغالباً ما يكونون أشخاصاً عابري القومية من خلال الشركات الكبرى، والمؤسسات المالية، والمصارف، والشركات الإجرامية.
 
النظام الكوني العميق في فترة ما بعد الحرب
 
إن الدور التاريخي الذي لعبته أمريكا بصفتها المساهم الرئيس في تشكيل الرأسمالية المعولمة يعني أن هذه العولمة دعمت بروز وتوسع نظام عميق عابر للدول تهيمن عليه الولايات المتحدة- في داخل هذا النظام العالمي العميق، أصبحت النخبة المالية الأمريكية المهيمنة متشابكة بشكل عضوي مع الشبكات الإجرامية.
إن توسع الرأسمالية المعولمة منذ سنة 1945 لم يكن مساراً تلقائياً. بل بالعكس، كان مساراً عنيفاً بشكل عميق بقيادة الولايات المتحدة، وبريطانيا و أوروبا الغربية. في كل مكان، عملت المخابرات المركزية الأمريكية وول ستريت يداً بيد بشكل وثيق. إرتبطت العولمة بشكل مباشر مع التدخلات العسكرية في أكثر من 70 بلداً صاعداً بهدف خلق الظروف السياسية المناسبة في الأسواق التي يمكن أن "تفتح" أمام تغلغل الرأسمال الغربي، وبالتالي الهيمنة على الموارد والقوى العاملة المحلية. لقد إقتضى منطق "السياسة العميقة" أن يتم إخفاء هذا الكم من العنف السياسي الإجرامي عن الرأي العام، أو أن يتم تبريره بطرق أخرى.
وهذا ما أقر به في أحاديث خاصة المخططون العاملون في وزارة الخارجية الأمريكية بالشراكة مع مجلس العلاقات الخارجية في حينه:
"في حال تم الإعلان عن أهداف الحرب، وهي تتعلق فقط بالإمبريالية الأنغلو-أمريكية،فإنه سوف يتم تقديم معلومات شحيحة للشعوب في بقية العالم...بعض هذه الأهداف سوف يتمثل بتقوية أكثر العناصر رجعية في الولايات المتحدة والإمبراطورية البريطانية. إن مصالح بقية الشعوب يجب أن يتم ذكرها، ليس شعوب أوروبا فقط، بل شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية أيضاً. مما سيكون له أثراً دعائياً."
إن عدد الناس الذين قتلوا في سياق هذا الدمج القسري للمستعمرات السابقة في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط بالمدار الأنغلو-أمريكي المستجد والمهيمن على الإقتصاد العالمي، هو عدد مذهل.
في كتابه، فارغ من الناس (2004)، يقدم المؤرخ البريطاني مارك كورتيس تفاصيل عن مقتل ما يقارب 10 ملايين شخص-  رقم قليل بتحفظ كما يصفه. أما الإقتصادي الأمريكي الدكتور جيمس ويليام سميث فهو يجادل في كتابه الديمقراطية الإقتصادية (2005) أن العولمة كانت:
"...مسؤولة عن العنف الذي أدى إلى مقتل 12 إلى 15 مليون إنسان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتسبب بموت مئات الملايين الآخرين بسبب دمار إقتصادهم أو بسبب منع بلدانهم من إعادة البناء بما يتيح لها العناية بشعوبها...هذا هوسجل مراكز رأس المال الإمبريالية الغربية منذ سنة 1945 حتى سنة 1990."
على هذه الخلفية من العنف السياسي العميق والعابر للدول-والذي لا يزال غائباً عن وسائل الإعلام الرئيسية وعن كتب التاريخ المدرسية- شيدت الولايات المتحدة وبريطانيا بنية مالية عالمية لخدمة مصالح شركاتها العملاقة النافذة ومؤسساتها المصرفية، والتي تتمتع بالسطوة الساحقة على الطبقة السياسية.
تم توسيع سلطة الدولة من أجل دمج الموارد والمواد الخام ومخزونات النفط والعمالة الرخيصة من تلك المناطق الواسعة من العالم، دمجها في إقتصاد معولم تهيمن عليه مصالح النخبة العابرة للدول والتي توجد بشكل أساسي في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا الغربية.
إن هذا الأمر يفتح الطريق أمام أشكال جديدة من تجريم سلطة الدولة. الأمر الذي يمكن إيضاحه عبر مثال قوي عرضته الخبيرة بشؤون الإرهاب المالي لوريتا نابوليوني، التي كانت ترأس مجموعة نادي مدريد المختصة بدراسة تمويل الإرهاب.
تورد نابوليوني في تقريرها أن رفع القيود المالية الذي تتبعه الحكومات الأمريكية المتعاقبة مهد الطريق أمام مختلف المجموعات المسلحة والإرهابية  لكي تكون متصلة مع بعضها البعض ومع الجريمة المنظمة، مما ولد إقتصاداً إجرامياً شاملاً تقدر قيمته بحوالي 1.5 تريليون دولار. هذا الإقتصاد الإجرامي يتكون من " رحلات جوية غير شرعية لتهريب رؤوس الأموال، فوائد من الشركات الإجرامية، تجارة المخدرات، التهريب، الأعمال الشرعية، وغيرها"، الغالبية العظمى من هذا الإقتصاد يتم إعادة تدويرها في الإقتصاديات الغربية عبر غسل الأموال عن طريق المؤسسات المالية الرئيسية: " إنه عنصر حيوي من أجل السيولة النقدية لهذه الإقتصاديات."
لكن المشكلة أبعد من ذلك. بإعتبار أن الوسيلة الأولى للتبادل في هذا الإقتصاد الإجرامي هي الدولار الأمريكي، فقد رسخ بإعتباره عملة للإحتياطي العالمي وضعاً بنيوياً تحولت فيه القوة الإقتصادية للخزينة الأمريكية إلى مانح للحصانة الإقتصادية للشبكات الإجرامية العابرة للحدود، والتي تستعمل الدولار الأمريكي بشكل منهجي في تعاملاتها التجارية الإجرامية: كلما كان مخزون الدولارات أكبر خارج الولايات المتحدة، كلما زادت مصادر دخل الخزينة الأمريكية.
هذه الأمثلة توضح كيف تعمل الدولة الأمريكية العميقة كناظم رئيسي للنظام العالمي العميق، الذي على مايبدو تتشابك فيه السيولة المالية العالمية مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مع مصالح الشركات الكبرى الجبارة التي تتحكم بصناعة النفط وبمصادر المواد الخام، ومع خصخصة المجمع العسكري-الصناعي.
 
زمرة الدولة العميقة تدعم ترامب
 
إن ترامب يلائم هذا النظام بشكل مريح. من بين مشاريع أوامره التنفيذية هنالك واحد يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية للإنخراط في ممارسات سرية فاسدة وإجرامية لشراء معادن من الكونغو- تستعمل بشكل واسع في المنتجات الإلكترونية مثل الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة.
الشيئ الواضح من هذا المنظور الواسع، أن نظام ترامب أبعد من أن يمثل قوة مناهضة للدولة العميقة، إنه يمثل شبكة متقاطعة من اللاعبين الكبار في قطاعات مرتبطة بالدولة العميقة: المالية، الطاقة، الإستخبارات العسكرية، الدفاع الذاتي، وسائل الإعلام التابعة للقوميين البيض "اليمين-البديل" و أخيراً نخبة مفكري السياسة في الدولة العميقة.
وبحسب سكوت، فإن ذلك يعكس تعمقاً في " الإنقسام القديم في صفوف المال الكبير-إن تكلمنا بفظاظة، ما بين أعضاء اللجنة الثلاثية (أسسها زبيغينيو بريجنسكي وجيمي كارتر وريتشارد روكفلر) التقدميين، والذي إزدهر العديد منهم في قطاع التقنيات الجديدة الخاصة بالإنترنت، الذين يريدون أن تقوم الدولة بعمل أكبر من الوقت الراهن في مشاكل مثل المشاكل المتعلقة بالتفاوت الصحي، بالظلم العنصري وإرتفاع حرارة المناخ، وما بين أعضاء مؤسسة هيريتايج المحافظين، العديد منهم يعمل في قطاع المال والنفط، الذين يريدون من الدولة أن تعمل أقل مما عملت."
إذن بدلاً من كونه "تمرداً" ذو إتجاه قومي على الشركة المعولمة المسماة "الدولة العميقة"، يمثل نظام ترامب إنقلاباً قام به قسم ساخط من القوميين البيض من داخل هذه الدولة العميقة ذاتها. الدليل أنه بدلاً من أن يحصل صراع مع الدولة العميقة، نرى أن وشائج الشركات العسكرية في داخل الدولة العميقة تأتي في المقدمة. في هذا السياق، يعد ترامب أداة من أجل إعادة تنظيم وإعادة هيكلة الدولة العميقة في ردة فعل على ما تعتقد هذه العصبة  أنها أزمة متصاعدة في مجمل النظام العميق.
بإختصار، إن الدعم الذي تقدمه عصبة الدولة العميقة لترامب هو للشروع في تنفيذ ما تؤمن به على أنها المهمة الخاصة والوحيدة أي: إنقاذ الدولة العميقة من الإنهيار بسب تراكم الفشل من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
مع ذلك، فإن ما يقومون به بالواقع هو تسارع إنهيار الدولة الأمريكية العميقة و تسارع إضطراب النظام العالمي العميق.
 
3. أزمة نظام
 
إن عصبة ترامب على حق في قولها أن هنالك أزمة في السلطة الأمريكية، لكنها تعجز عن إدراك طبيعة هذه الأزمة في سياق أزمة النظام إجمالاً.
لكل مجموعة من عصبة ترامب، وشبكات النخبة الإجتماعية والمؤسساتية التي تمثلها، فهمها الضيق الخاص بها عن الأزمة والموضوع في إطار المتغيرات الإيديولوجية المعبرة عن مصالحها الخاصة وموقفها الطبقي.
وكل مجموعة تعاني من قيود معرفية جدية أي أنها ليست عاجزة فقط عن إدراك طبيعة الأزمة على أنها أزمة نظام والآثار المترتبة عليها، بل إنها تحمل رؤىً ذات طبيعة ذاتية حول الأزمة تميل إلى رمي كل نواقصها على الآخرين.
 
مشكلة النمو
 
مثلاً، إن الفشل الحالي في دفع الإقتصاد الأمريكي للوصول إلى مستوى مقبول من التعافي يوضع من قبل عصبة ترامب في إطار عدم وضع "أمريكا أولاً" في العلاقات التجارية. إن مخطط ترامب يهدف إلى تقوية الإستثمار في البنية التحتية من أجل خلق فرص عمل في البلاد، وتبني المزيد من السياسات التجارية الحمائية لحماية الصناعات والمصانع الأمريكية.
لكن الحقيقة هي أن وحوش المال في إدارته يعلمون تماماً أن السياسات الإقتصادية والنقدية الليبيرالية التقليدية لم تعد تجدي: في ظل اوباما، مثلاً، شهد وسطي الدخل العادي سنة 2015 زيادة ملحوظة لأول مرة منذ أزمة الركود 2007-2008 ، حيث إرتفع بنسبة 5.2%. ولكن واقعياً، كان التغير بسيطاً. إن وسطي الدخل يبلغ 56.516 دولار سنوياً، وبعد تعديل الرقم على ضوء التضخم يصبح هذا الدخل أقل 2.4% مما كان في بداية هذه الألفية.
إذن ورغم أن اوباما تمكن من إيجاد أكثر من مليون فرصة عمل جديدة، إلا أن القدرة الشرائية للطبقة العاملة والطبقة المتوسطة لم ترتفع-بل إنخفضت واقعياً. في الوقت عينه، ومع أن معدل الفقر قد إنخفض بنسبة 1.2% سنة 2015، إلا أن الإتجاه العام منذ إنههيار 2007 شهد إزدياد عدد الفقراء الأمريكيين من 38 مليون إلى 43.1 مليون شخص.
إنها مشكلة تتجاوز اوباما- إنها أزمة نظام.
على مدى القرن الماضي، إنخفضت القيمة الصافية للطاقة القابلة للإستخراج من مصادر الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة بشكل لا محالة فيه. إن المفهوم العلمي المستعمل لقياس هذه القيمة هو نسبة الطاقة الراجعة إلى الإستثمار، وهي عملية حسابية تتم فيها مقارنة كمية الطاقة المستخرجة من مصدرها مع كمية الطاقة المستخدمة التي استخدمت في عملية الإستخراج.
مر زمن على الولايات المتحدة، في سنوات 1930، كانت فيه هذه القيمة الصافية تعادل 100. تناقصت القيمة بإضطراد، مع بعض التقلبات. في سنوات 1970، تدنت هذه القيمة في قطاع النفط إلى 30. وخلال العقود الثلاثة الماضية وحدها، تسارع هبوطها إلى أكثر من النصف، لتصل إلى 10 أو 11.
بحسب العالم البيئي البروفيسور تشارلز هال من جامعة نيويورك الحكومية، وهو من إخترع هذا القياس، فإن إنخفاض قيمة الطاقة الصافية هو السبب الجوهري لتوعك الإقتصاد العالمي. ولأننا نحتاج إلى الطاقة لكي ننتج ونستهلك، فإننا نحتاج إلى المزيد من الطاقة لننتج ونستهلك أكثر، مما يؤدي إلى النمو الإقتصادي. لكن حين نحصل على كمية منخفضة من الطاقة مع مرور الزمن، حينها لا يمكننا زيادة النمو الإقتصادي بكل بساطة.
ولهذا كان هناك علاقة متبادلة صحيحة بين هبوط الطاقة الصافية العالمي طويل المدى، وبين هبوط معدلات النمو في الإقتصاد العالمي على المدى الطويل. كما أنه توجد علاقة متبادلة بين ذلك الهبوط طويل المدى، وبين إزدياد اللامساواة على الصعيد العالمي، وبين تزايد الفقر على مستوى العالم.
أقنعت عصبة ما يدعى بالليبيراليين في الدولة العميقة نفسها أن النمو الرأسمالي ساعد على تخفيض الفقر في العالم إلى النصف منذ سنوات 1990، ولكن هنالك ما يدعو للشك بذلك. إن النجاح المذكور يتم حسابه على أساس مقياس البنك الدولي للفقر والمقدر ب 1.25 دولار باليوم، وهو مستوى الفاقة. إن مقياس البنك الدولي للفقر منخفض جداً.
ففي حين أن عدد الناس الذين يعيشون في فقر مدقع إنخفض إلى النصف، إلا أن العديد من هؤلاء يبقون فقراء.، محرومون من حاجياتهم الأساسية. إن مقياساً أكثر دقة للفقر يبين أن عدد الفقراء في أنحاء العالم قد إزداد إجمالاً.
وفقاً لتقرير صادر سنة 2013 عن منظمة أكشن ايد الخيرية التي يتواجد مقرها في لندن، فإن المقياس الواقعي للفقر يقع بين 5 و 10 دولارات باليوم الواحد. تبين بيانات البنك الدولي أنه منذ العام 1990، إزداد عدد الناس الذين يعيشون على أقل من 10 دولارات باليوم بنسبة 25%، وأن عدد من يعيشون على أقل من 5 دولارات باليوم إزداد بنسبة 10%. اليوم هنالك 4.3 مليار إنسان- أي حوالي ثلثي سكان المرة الأرضية- يعيشون على أقل من 5 دولارات باليوم.
لقد إزداد الفقر سوءاً في عصر التقدم. إن هذه المعادلة تعود إلى المكان الذي إنطلقت منه لتجثم على مراكز النمو العالمي، حيث تتركز الثروة. 
حتى منتصف سنة 2016، بقي الناتج الإجمالي لأوروبا ثابتاً طوال عقد كامل، وحققت الولايات المتحدة نمواً في الناتج الإجمالي بلغ 1.1% أي نفس نسبة النمو في عدد السكان تقريباً. هذا يعني أن الولايات المتحدة لم تحقق عملياً أي زيادة وسطية في " الثروة الرأسمالية" بحسب ما يرى تشارلز هال.
للحفاظ على مظهر النمو الإقتصادي، قمنا بإستخدام آليات ديون مبتكرة لتمويل الأنشطة الإقتصادية الجديدة. إن توسع الدين الإجمالي بلغ اليوم مستوى أعلى مما كان قبل سنة الإنهيار 2007. إننا نقوم بتصعيد الخطر بأزمة مالية جديدة في السنوات المقبلة، لأن النمو الضئيل الذي قمنا بإعتصاره من الإقتصاد حتى الآن تم على قاعدة الإستلاف من مستقبل غير مستدام على صعيد الطاقة والبيئة.
وهذا النمو عن طريق آلية الإستدانة يتم أيضاً في صناعة النفط، والتي راكمت ديوناً تبلغ 2 ترليون دولار ما يعني، وفي سياق الإنهيار المزمن في أسعار النفط، أن هذه الصناعة لم تعد رابحة بما يكفي لتوليد الأموال لتسديد ديونها.
 
القطبيات الإقصائية
 
إن كلا الزمرتين المؤيدة والمعادية لترامب في الدولة العميقة في حالة إنكار للواقع برفضهما التسليم أن هذه الأزمة المتفاقمة ناتجة، بشكل جوهري، عن إنهيار الطاقة الصافية الإجمالية في مصادر الوقود الأحفوري العالمية.
في أوقات أزمة النظام الجوهرية، يتعرض حجر الأساس الموجود والذي تقوم عليه المعايير والقيم التي تتمسك بها جماعة ما للإرتجاج في الصميم. وهذا ما يقود جماعة أخرى إلى محاولة إعادة بناء مجموعة جديدة من المعايير والقيم- لكن إن كانت هذه الجماعة لا تفهم أنها أزمة نظام، فإن البناء الجديد، إن لم يشخص الأزمة بشكل صحيح، سينتهي إلى إلقاء اللوم على أمور خاطئة، مما يقود إلى النزعة نحو لوم الآخرين.
إنتهت زمرة ترامب إلى السقوط في الدروب الضيقة التي كانوا معتادين عليها، ويعتقدون أنه بدلاً من التفتيش عن طريق آخر، فإن المشكلة هي أننا لسنا ملتزمين كلياً في متابعة الطريق القديم. ويصرون على أن المشكلة غير متأصلة في بنية صناعة الوقود الأحفوري بذاتها، أو في طبيعة النظام المالي الطفيلية والغارق في الديون. تتم رؤية المشكلة ببساطة على أنها تكمن في عدم إستغلال الوقود الأحفوري الأمريكي بشكل كاف، وفي القيود الكثيرة المفروضة على النظام المالي، وفي الإذعان الإقتصادي الدائم لغير الأمريكيين-مسلمين، مهاجرين، لاتينيين، سود- الذين يتم إتهامهم إما بإستنزاف النظام المالي عبر الجريمة، والمخدرات والإرهاب وإما ببساطة بأنهم يثقلون كاهل هذا النظام بعددهم الهائل.
 في الوقت الذي تعتقد فيه هذه الزمرة أن العمل ينمو كالمعتاد لذا يجب أن يتم إحتكاره من قبل " أمريكا أولاً" ( أمريكا وفق التعريف الخاص بالقوميين البيض)، يتشبث منتقديهم الليبيراليون بالقناعة أن العمل كالمعتاد ينمو بشكل دائم من تلقاء نفسه، مع قليل من الترقيعات التكنوقراطية وحفنة من أصحاب المليارات المحسنين الذين يوزعون المكاسب في كل أنحاء العالم. 
إن كلتا النظرتين للعالم تشوبهما مغالطات إيديولوجية جدية- لكن الفشل الذي أصاب النظرة الأخيرة أي الليبيرالية هو الذي ساعد على تطرف الأولى.
 إن النظر إلى كتابات كبير مستشاري ترامب مايكل أنطون يلقي الضوء بشكل جيد على تأثير الأزمة وكيف أدت إلى تطرف زمرة ترامب نحو تبني نظرة خيالية وثنائية عن العالم. بالنسبة لأنطون فإن المتهم الرئيسي هو الإفلاس الأخلاقي والإيديولوجي للنموذج الليبيرالي، الذي دمر الإقتصاد ويتسبب بإنجراف القيم الأمريكية، وهناك متهم آخر هو فشل المؤسسة المحافظة بالقيام بأي عمل ذي قيمة حيال ذلك. إن أنطون يتوق لإختلال كبير من أجل إعادة إحياء النزعة المحافظة على أسس جديدة: تمزيق الليبيراليين والمحافظين القدامى بإنقضاضة عنيفة واحدة. وهكذا يصبح بإمكانه البدء بقضية الحب الإيديولوجي مع دونالد ترامب.
والنتيجة هي نظرة ترامب إلى نفسه على أنه مسيح أمريكا الجديد- لكن هذا الأمر، بالطبع، بناء كبير. قامت زمرة ترامب، على منوال أنطون ومحاججته، بوضع كل ما تواجهه أمريكا من تحديات في إطار العدسة الضيقة التي ترى من خلالها كل شيئ: إن مشكلة الليبيراليين وبالتالي كل مشاكل أمريكا يمكن رميها على الآخرين، وإلقاء اللوم على التوليفة القاتلة بين الإنحطاط الليبيرالي والإفلاس المحافظ.
ولهذا، يرى مؤيدو ترامب في برنامجه المطروح حرباً مزدوجة على المؤسسة الليبيرالية والمؤسسة المحافظة على السواء لأنهما المسؤولتين عن الأزمة. إنها نظرة تبسيطية بما فيه الكفاية.
يتضمن برنامج ترامب على الصعيد الداخلي والإقتصادي: إطلاق عجلة النمو الإقتصادي عبر ضخ المزيد من الإستثمارات في ما تبقى من مصادر الوقود الأحفوري، وإستخدام عائداتها في تمويل خطة تطوير البنية التحتية المقدرة بترليون دولار، وفي الوقت نفسه تركيز الجهود على إعادة إنعاش الصناعة الأمريكية، وهذا كله سيؤدي إلى إيجاد ملايين فرص العمل للأمريكيين.
على الصعيد الخارجي: الشراكة مع روسيا لتسهيل التعاون الروسي الأمريكي في مشاريع النفط والغاز الجديدة، وإضعاف الشراكة الروسية الصينية لتسهيل الضغوط الأمريكية على الصين لكي تستسلم أمام الولايات المتحدة في إنتهاكها لمصادر النفط والغاز غير المستغلة بعد في بحر الصين الجنوبي.
 إن ننتيجة" الحرب على الإرهاب" في نظر ترامب تتمثل في تراجع إيران عن مد نفوذها غي الشرق الأوسط، الذي تعاظم بفضل الحرب على العراق سنة 2003 وبسبب زعزعة الإستقرار في سوريا، وتتمثل بدعم القوة الجيوسياسية الإقليمية لدول الخليج، حيث تتواجد الإحتياطيات العالمية المتبقية من النفط والغاز.
إن البعد الداخلي لهذه " الحرب على الإرهاب" يتضمن كنتيجة مباشرة القضاء على العدد المتزايد من " أكلة الجبنة عديمي الجدوى"، جحافل من الآخرين غير البيض، الذين يتم النظر إليهم في نهاية المطاف على أنهم طفيليات تلتهم الأمن القومي والمالي والثقافي الأمريكي. هكذا يمكن تفسير بناء الجدار مع المكسيك، " منع المسلمين"، الحملة على المهاجرين والتهديدات المبطنة لحركة حياة السود مهمة بأن موقفها " المعادي للشرطة" لن يتم التساهل معه. كل ذلك يمكن تفسيره على أنه النتيجة التي تتمخض عن عدم فهم أن ما يحدث هو أزمة نظام، يتم الإكتفاء بعرضها على أولئك الذين يعانون بسببها أشد المعاناة مع أنها أشد الأزمات جدية.
في كل هذه المجالات، الأمر المشترك والواضح في كل من عينهم نظام ترامب في المناصب الرئيسية هو أن هذه التعيينات ردة فعل على وعي الأزمة يتمثل بتحميل وزرها لمجموعات متنوعة من البشر، داخل وخارج الولايات المتحدة-يتم رسم صورتهم بشكل ثابت على أنهم لا يمكن السيطرة عليهم، يتزايد عددهم بسرعة، وبالتالي يشكلون خطراً كامناً على " عظمة" الهوية " الأمريكية" والتي يتم تعريفها بمفردات دينية و عرقية-قومية بشكل متزايد.
من الجلي أن ذلك لن ينجح. بل بالعكس سوف يفاقم الأزمة.
إن هبوط إجمالي الطاقة الصافية لن يتوقف بمزيد من الحفر بشكل أنشط وأسرع. إن هذا الحفر سوف يسارع في نهاية المطاف هبوط الطاقة الصافية الإجمالي. كما أن الكوابح الجيوفيزيائية على النمو الإقتصادي سوف تشتد ولن تضعف.
وهذا يعني أن ترامب سوف يضطر للإعتماد على الشراكة بين القطاع العام والخاص لجلب قروض إستثمارية هائلة من القطاع الخاص من أجل تنفيذ مخططه في البنية التحتية. لذلك مهما تكن السياسة التي يعمل ترامب على تطبيقها في المدى القريب في مجال الأجور المنخفضة والمنشآت الصغيرة والوظائف في الصناعة، فإن دافعي الضرائب الأمريكيين سوف يجبرون على دفع فاتورة ترليونات الدولارات التي سيتم دفعها لإيفاء القروض. وبالتالي سوف يعيد هذا المخطط تركيب الأزمة السابقة  لمستويات الديون الضعيفة في النظام المالي الأمريكي والعالمي.
في هذه الأثناء، سيتسارع التغير في الجو العام، حتى مع تحول النظام العالمي إلى نظام أقل إستقراراً في وقت يقوم فيه ترامب بإتخاذ مواقف عسكرية أشد عدوانية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وبشكل خاص تجاه إيران والعراق والصين، ويقوم أيضاً بتسعير الحملات ضد الأقليات داخل أمريكا.
مقابل كل درجة يصعد ترامب في العدوان، سوف تهبط درجة الأمن القومي الأمريكي. ومثل كل طاغية، سيكون الفشل الذي يحصده هو المادة المغذية لدعايته وسيلقي اللوم في هذا الفشل على كوكبة من الآخرين الذين يقفون عقبة في وجه أمريكا لكي تعود " عظيمة من جديد" كما ترى العقول الصغيرة في زمرة ترامب.
 
4. المستقبل
 
مع إشتداد أزمة النظام الإجمالية، فإن العدد الكبير من الشبكات والقوى والزمر التي تضمها الدولة العميقة الأمريكية سوف ينقلبون ضد بعضهم البعض: إن ترامب ليس السبب بل النتيجة العرضية لهذا القطع البنيوي داخل المؤسسة الأمريكية. وهذا يعني أن هزيمة ترامب بحد ذاتها لن تضعف أو تؤدي إلى تراجع القوى التي أطلقها النظام من عقالها.
من جهة أخرى، ورغم أن هذا المسار سوف ينتج عنه إضطراب وفوضى عارمين، فإن قاعدة الدعم الإجتماعية للحظتنا الترامبية هذه سوف تتناقص.
إننا نشهد سكرات موت القوى الإجتماعية التي تدعم عصبة ترامب. حيث أظهرت نتائج التصويت أن 37% فقط من الشباب في سن بين 18-29 عاماً  قد صوتوا لصالح ترامب. 
ومع أن 55% من الشباب صوت لصالح هيلاري كلينتون، فإن عدداً كبيراً منهم- حوالي مليون- من الذين يصوتون عادة للديمقراطيين لم ينتخبوا أحداً. أي أنهم لا يفضلون ترامب وأكثر من ذلك لا يفضلون هيلاري. واحد من كل عشرة من الجيل المسمى جيل الألفية صوت لصالح مرشح طرف ثالث-ورغم أنه رقم متواضع، فإنه أكبر بثلاثة أضعاف من الإنتخابات السابقة. وبهذا المعدل من النمو فإن نسبة المصوتين للمرشح الثالث قد تصبح تهيداً قاتلاً للحزب الديمقراطي.
ووفقاً للباحث الإستراتيجي الجمهوري ايفان سيغفريد، لو أن جيل الألفية شارك بالتصويت سنة 2016 فإن نتيجة الإنتخابات كانت ستنقلب ضد ترامب بشكل حاسم. لأن قاعدة الحزب الجمهوري التقليدية مكونة بشكل واسع من الطبقة الوسطى البيضاء، والقرويين وكبار السن.
" إنهم يموتون حرفياً،" يقول سيغفريد. " كل أربع سنين يتناقص السكان البيض بمقدار 2%، وعدد البيض الذين لا يدخلون الجامعات والمعاهد يتناقص بنسبة 4%.
لذلك يجادل سيغفريد أن الإنتصار الذي حققه ترامب تحقق لأن جيل الألفية والأقليات العرقية التي لاتصوت عادة له لم تخرج للتصويت كلياً.
لكن هنا المشكلة. ففي حين يعترف سيغفريد بأن التغيرات الديمغرافية تسير لصالح الديمقراطيين على المدى الطويل،ظهرت هيلاري كلينتون بشكل واضح على أنها مرشحة غير مثيرة للإهتمام، وتم فضح علاقاتها بوول ستريت وبالدولة العميقة.
نظر الديمقراطيون إلى هذه الحركية الديمغرافية في إنتخابات 2016 وخدعوا أنفسهم حين إعتقدوا أن إنتصار هيلاري كان حتمياً. لقد كانوا مخطئين بشكل جلي. وفي نفس الوقت الذي كانت التغيرات الديمغرافية تشير إلى تقلص قاعدة دعم ترامب، أكدت هذه التغيرات أن جيل الألفية فقد الثقة ليس بالجمهوريين فقط، بل بالديمقراطيين أيضاً.
اليوم تثبت التركيبة الحاكمة في نظام ترامب أن خسارة كلينتون لم تعني هزيمة للدولة العميقة. على العكس، إن المشكلة الحقيقية هي أن   النظام الإنتخابي الأمريكي يعكس نوعاً من التسلم والتسليم داخل الدولة العميقة. إن صعود زمرة ترامب يشير إلى أن تفاقم أزمة النظام الشاملة دفعت عملية التسلم والتسليم المعتادة إلى نقطة تحول، حيث كل فرع من الدولة العميقة يخوض الآن حرباً ضد الفرع الآخر.
وكلا الطرفين في الدولة الأمريكية العميقة يلقي باللوم على الطرف الآخر في فشل النظام، وكلاهما يرفضان الإقرار بتواطؤهما في دفع النظام نحو هذا الفشل.
هناك طرف يرغب بحل أزمة النظام عن طريق تسريع مشاركة السوق وفق النموذج القديم-أي إطالة أمد نظام الوقود الأحفوري ورفع القيود القانونية عن رأس المال المفترس. رغم أن غالبيتهم من أنصار نفي تأثر المناخ بالوقود، فإن البعض منهم يعترف بأزمة الأخطار البيئية وبنقص الموارد لكنهم يدعمون الدولة العميقة في مواجهة الأزمة إنطلاقاً من واجب قومي ومن شعار: أمريكا القلعة.
الطرف الآخر لديه إيمان عميق بأن التقدم التكنولوجي سوف يحافظ على الواقع وسوف يفسح المجال للأعمال أن تسير كالمعتاد ولنمو  مرتكز على الإستخراج الدائم أن يتواصل- يعتقدون أن الإبتكارات التكنولوجية الرقمية سوف تتيح لوول ستريت أن تحصل على الكعكة وأن تأكلها: يمكننا تنمية الإقتصاد، وإثراء حفنة من المتمولين في الغرب أضعافاً مضاعفة، وأرباح الأسهم توزع على الباقين بنوع من الترقيع التكنوقراطي والضوابط الإنتقائية والأعمال الخيرية السخية.
إن كلا الطرفين لا يفهمان أنهما معاً عالقان في نموذج الصناعة المحتضرة النيوليبيرالي القديم. وأن كلاً من إستراتيجية الجمهوريين والديمقراطيين التقليديين قد فشلت. وأنه في حال إستمروا في التجاهل والتغاضي لواقع أزمة النظام الشاملة وعوارضها المتفاقمة، فإن كليهما سوف يتحولان إلى معاقين وغير مناسبين للقيادة في نظر شريحة واسعة من الأمريكيين.
ضمن هذا السيناريو، سوف يحصل إستقطاب سياسي بشكل متصاعد، ليس أقل من ذلك. فالجمهوريين سوف يسعون للحصول على دعم قاعدتهم من القوميين البيض والديمقراطيون سوف يستمرون في فقدان المصداقية على أنهم صوت نقدي أصيل نتيجة قصر نظر قيادتهم.
في السيناريو البديل، عناصر من كلا الطرفين ومن مختلف المستويات، إضافة إلى أطراف ثالثة، ومن المجتمع المدني تبدأ بفهم لحظتنا الترامبية كما هي حقاً.
تدرك هذه الأطراف أن كلاً من القطبين المحافظ والليبيرالي قد أصبحا معطلين نتيجة لأزمة النظام الشاملة. وأن الدولة العميقة كذلك. وأن ترامب مجرد محاولة قام بها فرع من الدولة العميقة لتجنب الإنقطاع في النظام. وأن فشل الفرع الثاني من الدولة العميقة هو تحديداً الذي دعم هذا الإحتمال وبجرأة. 
في هذا السيناريو البديل، تفتح الإتجاهات السياسية الحالية لجيل الألفية (الجيل الشاب) الإمكانية لدروب جديدة نحو الأمام في السياسات، سواء المحافظة أم الليبيرالية: لإعادة بناء أحزابهم، ومنظماتهم ونماذجهم وفقاً للديناميات الناشئة لنظام إنتقالي شامل نحو مرحلة جديدة لدولة تكون: فوق الفحم، فوق النمو اللامتناهي، فوق النزعة الإستهلاكية الشاملة، فوق الإستقطابات السياسية المبتذلة بين يسار ويمين، أبيض وأسود، مواطن أصلي وأجنبي الأصل، دولة تكون في خدمة الشعب والكوكب.
 
*الدكتور نافذ أحمد حصل على جائزة الصحافة الإستقصائية ومؤسس موقع:
INSURGE intelligence
نشرت أعماله في العديد من الصحف العالمية مثل الغارديان، فايس، إندبندنت اون سانداي، إندبندنت، سكوتسمان، سيدني مورنينغ هيرالد، ذا أيج، فورين بوليسي، ذا أتلانتيك، كوارتز، ذا نيو ستايتسمان بروسبيكت، لوموند ديبلوماتيك، هفينغتون بوست...وغيرها. حاصل على العديد من أهم الجوائز العالمية في مجال الصحافة. ظهر إسمه في قائمة أكثر 1000 شخصية مؤثرة في لندن مرتين عام 2014 و 2015. 
 
14 شباط 2017
نقلا عن موقع اورهاي
آخر تعديل علىالأربعاء, 27 كانون1/ديسمبر 2017 19:48

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.