Menu

الدستور وأبو الدستور : بقلم د.هشام الحمامي

الدستور وأبو الدستور : بقلم د.هشام الحمامي

وقيمة شريف باشا التاريخية والسياسية ليست فقط  فى كونه صاحب أول نص دستورى عرفته مصر الحديثة والذى عرف باسم اللائحة الأساسية ولكن قيمته الأهم فى انه كان رجل دولة من الطراز الكبير والكبير جدا(تولى وزارة الخارجية والداخلية والمعارف وأدخل الكتاتيب فى هيكل الوزارة ..لم يلغها  ! ورأس الوزارة 4 مرات) ولا يكاد يكون فى تاريخ مصر الحديث رجلا فى مثل قيمته وثقله المعرفى والسياسى وحجم ما أنجزه لأمته ووطنه ..

وتتعجب حين تعلم أن محمد على باشا قد اكتشفه وهو طفل جاء لزيارته ممسكا بيد أبيه محمد شريف قاضى قضاة مصر( وشيخ الإسلام بالأستانة بعدها) والذى تزامنت خدمته فى هذا المنصب مع البدايات الأولى لمشروع محمد على الناهض لتحديث مصر وكانت فراسة محمد على فى معرفة الناس أحد أهم قدراته الفذة فى الحكم والسياسة... الحاصل أن محمد على طلب من أبيه أن يتركه فى مصر ليتعلم مع أبنائه فى مدرسة الخانكة الحربية التى أتم دراسته فيها عام 1844م وسافر ضمن خامس بعثة تعليمية إلى أوروبا ..البعثة التى كان فيها على مبارك والخديوى إسماعيل فيما بعد ..اختار شريف الدراسة الحربية فى كلية (سانت سير)الشهيرة وتخرج يوزباشى أركان حرب بعد فتره تدريب جيده فى الجيش الفرنسى  ويعود عام1849 بعد وفاة محمد على ليلتحق بالجيش وتتوطد علاقته بسليمان باشا الفرنساوى قائد الجيش وقتها والذى سيتزوج ابنته وينجب منها ولد وبنتين إحداهما ستكون جدة الملك فاروق عن أمه..يذهب عباس حلمى ويأتي الخديوي سعيد الذى سيفسح له المجال واسعا فى مناصب الدولة السياسية والمدنية قبل أن يموت سعيد عام 1863 ويأتي بعده  زميل العمر والدراسة الخديوي إسماعيل والذى كان يحبه ويثق به  كنفسه فيجعله وزيرا للخارجية والداخلية ثم رئيسا لمجلس النظار(الوزراء) ونائبا له فى غيابه وظل الرجل نجم السياسة والسلطة الأول فى عهد إسماعيل وليصبح أحد أهم رموز الحركة الوطنية _وهو موجود فى السلطة _ومؤسس لمبدأ الحكم الشوري والدستورى فى مصر ويكتب التاريخ عنه فى صفحات الصدق والقوة أنه صاحب أول نص دستوري فى مصرالمعاصرة وهو النص الذي صدر في عهد الخديوى إسماعيل مع أول حياة نيابية واضحة ومحددة وكاملة..سيكون وزيرا للداخلية عند تأسيس مجلس الشورى 1866 والذى كان له دور كبير فى تأسيسه وفي عام 1868  بعدها يرأس مجلس الوزراء لكنه سيستقيل بعد خلع إسماعيل كما جرت الأعراف السياسية ويكلفه توفيق بتأليف الوزارة لكنهما يختلفا فى مسألة الحكم الدستورى والنيابى فيستقيل  احتجاجا على رفض الخديوى إجراء انتخابات مجلس النواب سيكلف الخديوى مصطفى رياض باشا المساند للحكم الاستبدادى بتشكيل الوزارة ليستمر فى المنصب إلى أن قامت الثورة العرابية فى سبتمبر 1881 فيعود شريف باشا بناء على طلب الثوار وقادة الحركة الوطنية  لكنه يتردد بشده لعدم موافقته على تدخل الجيش فى الحياة السياسية وبعد مفاوضات بينه وبين العرابيين الذين وعدوه بإبعاد الجيش عن السياسة وافق على رئاسه الوزراء وبدأ بإعداد مشروع جديد للدستورعام 1882 الذي جاء للوجود تنفيذا لمطالب الثورة العرابية وهو الدستورالذى تضمنت لائحته سلطات واسعة لمجلس النواب تضاهى سلطات البرلمانات فى أوروبا خاصة الرقابة والتشريع.. ايضا منحت اللائحة شعب السودان حق انتخاب ممثليه فى المجلس وأقرت مبدأ الحصانة البرلمانية وجعلت النائب وكيلا عن عموم الأمة وليس وكيلا عن دائرته فقط..
سيتلاعب الهوى والخيانة بالثوار والثورة فيحدث الانقسام ويستقيل الرجل النابه شريف باشا  فى 3/2/1882الذى كان يرى الأسوأ قادما والذى بالفعل لم يتأخر هذا الأسوا فى قدومه إذ بعدها بشهور تحل الكارثة الكبرى ويدخل الجيش الانجليزي مصر فى 11/7/1882 والذى ستكون أول قراراته وقف العمل بدستور عام 1882م .
لم يجد شريف باشا أمامه إلا تقديم استقالة مسببه رافضا سياسة الخديوى والمحتل الانجليزي وكانت النهاية . ففى ابريل 1887  يكون الرجل قد واجه إنسانيته ووطنيته بكل شجاعةوصار قادرا على مواجهة موته براحة وطمأنينة .. فيصاب بوعكة صحية يٌنقل على أثرها إلى النمسا فيتوفى فيها ويأتي إلى وطنه لتقام له جنازتان الأولى فى الإسكندرية فور وصول الجثمان حضرها الآلاف من المصريين البسطاء والثانية فى القاهرة شعبيه و رسمية مهيبة ..أغلقت ساعتها الدواوين الحكومية والمحال التجارية وبكاه الناس بفطرتهم ووطنيتهم قبل أن يبكوه بوعيهم وإدراكهم...كانوا يبكون وطنا بأسره هذا هو الرجل الذى جاهد طوال عمره من أجل ترسيخ الحكم النيابى والدستورى وحماية الشعب من طغيان الحاكم وبطانته والذى استحق بكل معانى الجدارة الصادقة لقب (أبو الدستور).
..............
 ستقول لنا الحكايات بعدها انه لم يحدث فى تاريخ مصرالحديث أن ضمت لجنة لإعداد مشروع دستور مثل الكفاءات القانونية والسياسية والوطنية التى ضمتها لجنة الخمسين التى شكلتها الضباط الاحرار13 يناير 1953ورغم ذلك فإن مشروع  هذا الدستور الذى استغرقت هذه اللجنة فى إعداده نحو 18 شهرا تم تجاهله فور إصداره وإلقاؤه فى (صندوق القمامة) على حد قول الأستاذ مصطفى مرعى المحامى والبرلمانى الشهير. هذا المشروع  عثر عليه فى صورة مجموعة من الأوراق المبعثرة ا/صلاح عيسى وليس مصانا ومحفوظا كوثيقة تاريخية تعبر عن فترة من فترات التحول التاريخى فى مصر الحديثة..ولولا جهد ا/صلاح لما عرف أحد  بهذا الدستور الذى كتب مواده نخبه النخبة من المفكرين والسايسيين والأكاديميين والعلماء.. وأصدره أ/صلاح فى كتاب بعنوان (دستور فى صندوق القمامة) وهو كتاب مرت فيه من تحت قلم الكاتب كل الحكايات التى شرحت وأوضحت ما كان ..ولولا ذلك ما عرف أحد بمشروع هذا الدستور ..ولكن لماذا تم إخفاء هذا الدستور دون إتاحة الفرصة حتى لمناقشته؟ لماذا كانت هذه القسوة البالغة فى التعامل مع نتاج نخبة نادرة ؟ مثل العلامة السنهورى رئيس مجلس الدولة وأحمد محمد حسن رئيس محكمة النقض والشيخ حسن مأمون رئيس المحكمة العليا الشرعية والدكتورطه حسين وأحمد لطفى السيد وأستاذ القانون الدستورى الدكتورالسيد صبرى والدكتور عبدالرحمن بدوى ومصطفى مرعى وفكرى أباظة ومكرم عبيد وإبراهيم شكرى وغيرهم . فى رأى الكثيرين أن دستور 54  هذا كانت به مساحة كبيرة من الحريات والديمقراطية وأن الصورة التى وجد عليها مشروع هذا الدستور خير تعبير عن نظرة الضباط  إلى الديمقراطية وإلى القيم التى احتواها هذا المشروع  هو ما فعلوه بهذا الدستور ليظل أوراقا فى صندوق القمامة تعبيرا منهم عن قيمتها العملية فلا يراها أحد وكأنها جريمةلا يجوز أن يقربها الباحثون أو غيرهم ممن تعنيهم وتؤرقهم شؤون هذا الوطن.. كما كتب الدكتور عوض المر الرئيس الاسبق للمحكمة الدستورية كما قال فى مقدمة كتاب ا/صلاح.. يضاف الى ذلك أن من يقرأ مواد مشروع الدستور وبالتحديد المادتين 90 و91 يجد أن اللجنة حددت شروط رئيس الجمهورية فاشترطت فى المادة 90 ألا تقل سن من ينتخب رئيسا للجمهورية عن خمس وأربعين سنة وفى المادة 91 جعلت اختياره يأتى بالاقتراع السرى من هيئة تضم أعضاء البرلمان وثلاثة مندوبين من كل دائرة من الدوائر الانتخابية ومن كل هيئة أو نقابة وبالتأكيد فإن البكباشى عندما قرأ هاتين المادتين أسرع وألقى بالمشروع فى أقرب( صندوق قمامة) فلم يكن هناك واحد من مجموعة العسكريين الشبان الذين قاموا بالانقلاب ويطمحون إلى حكم مصر من تجاوز الخامسة  والثلاثين.وكانوا يبحثون عن مستقبلهم فىالقوة والنفوذ والزعامة
................................... 
اليوم تدور أحاديث مهمهمة وسط الصمت العام فى السر والعلن عن(الدستور) واصفة إياه بأنه تمت كتابته على عجل.. الواقع والعقل ينفيان هذا الرأى وهو أيضا كلام ليس له اقدام مستقله تحمى توازنه 
 وهوما نفاه الذين اختيروا بدقة (سياسية وأمنية) لكتابته فيما عرف وقتها بلجنة الخمسين ..كان ذلك فى 1 سبتمبر 2013. وبدأت اللجنة أعمالها في 8 سبتمبر 2013 ووضعت مسودة الدستور بعد 60 يوما حيث قامت بتعديل المواد الخلافية فيه وخاصة في باب نظام الحكم وتم الاستفتاء على المسودة فى14/15 يناير 2014 مصر. وتمت الموافقة بنسبة 98.1% ورفض 1.9% من الذين شاركوا فى الاقتراع(ما يقرب من 21 مليون مصرى.
رئيس لجنة الدفاع والأمن القومى بالبرلمان اللواء كمال عامر استنكر الحديث عن فكرة تعديل   الدستورالذى يعبرعن الأمة كدولة والأمة كهوية   
وقال (الدستور فى جميع دول العالم يعتبر منهج لعمل متكامل للدولة ويبنى الاستقرار والهيبة والثبات وبالتالى فإن تعديلة بعد هذه المدة(3 سنوات) ليس فى صالح مصر ولا الرئيس لان بعض القوة الكارهة والمعادية ستستخدم تعديل الدستور سلاحا ضد الدولة والرئيس فى هذا ..التوقيت).
 هذا كلام يحمل كل المشاعر الصادقة التى تتملكنا وتسير بنا فى درب الحقيقة
كثيرون تحدثوا أيضا عن أن الرئيس هو ابن مؤسسة كبرى ترسخ فيها العمق الوطنى والبعد الاستراتيجى لسياسة (ثبات الأهداف وتغير الرجال) وهو كلام يبصر الواقع ويقترب من المعنى والمراد الذى أشار إليه كثير من المفكرين والمثقفين و السياسيين الذين عارضوا فكرة تعديل الدستور  .
 ما يحمله حديث رئيس لجنة الدفاع والأمن القومى فى البرلمان نزل علينا بكل الثقل الذى اكتسبه قائله منالسنين الطويلة التى قضاها فى تاريخه المهنى  من المؤسسة التى خدم وطنه من خلالها و جاء منها كما وعضويته ورئاسته فى برلمان تتسم قراراته وسياساته بالقرب من التوجهات العامة لسياسات السلطة وأجهزتها المتعددة .وهوموقف كبير منه
عامر بالدلالات والاشارات
 وهو أيضا ما حصنه من الهجوم الاعلامى بالغ الشراسة تجاه من يقترب من الاقانيم الثلاثة شبكة العلاقات والمصالح المعقدةومنظومة الامتيازات 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.