Menu

«الثائر الأحمر» لعلي أحمد باكثير: صراع شيوعي رأسمالي في التاريخ الإسلامي : بقلم ابراهيم العريس

«الثائر الأحمر» لعلي أحمد باكثير: صراع شيوعي رأسمالي في التاريخ الإسلامي : بقلم ابراهيم العريس

كان لافتاً أن يبعث المستشرق المجري الذي سمى نفسه إذ اعتنق الإسلام، عبدالكريم جرمانوس، برسالة الى الأديب «المصري» علي أحمد باكثير يثني فيها على رواية لهذا الأخير صدرت في سنوات الستين بعنوان «الثائر الأحمر» قائلاً إنها «أخطر رواية تاريخية صدرت في القرن العشرين». 

وطبعاً من المؤكد أن قراءة الرواية اليوم لا توصلنا على الإطلاق الى مثل هذا الاستنتاج مهما كانت ضحالة ثقافتنا الروائية. لكننا نفهم المعيار المزدوج الذي حدا بالمستشرق المذكور الى أن يرى «خطورة» الرواية: فهو كمستشرق كان مطلعاً على الحركة القرمطية التي تشكل مع زعيمها حمدان موضوع رواية باكثير، وكمواطن مجري يعاني من النظام الستاليني المهيمن على بلده كان ليسرّه بدءاً من العنوان، ذلك الربط الذي أقامه الكاتب العربي المسلم بين عنف القرامطة وسقوط مشروعهم في النهاية، من ناحية، وعنف الحكم الشيوعي الستاليني الذي كان يعيش ذروته في العالم في تلك الحقبة من ناحية ثانية. والحقيقة أن باكثير لم يخف ذلك الربط هو الذي قال انه إنما يسعى في أعماله الكتابية «الى تحقيق هدفين: الأول سياسي والثاني إنساني. الأول محوره الدعوة الى الوحدة العربية (...) والثاني يتعلق بالتعبير عن روح الإسلام ومثله العليا ونظرته الى الكون والحياة». في سنوات الستين كان يمكن لذلك كله أن يتجسد في التناحر بين الدعوة العربية/الإسلامية، والدعوة الشيوعية، وهو أمر كان في مقدور الصراع القرمطي السنّي أيام الدولة العثمانية أن يعبر عنه خير تعبير.

 إذاً رواية «الثائر الأحمر» التي أثارت حماسة المستشرق المجري العجوز، إنما من دون أن تثير اهتماماً كبيراً لدى قراء عرب كانوا في أكثريتهم يعتبرون باكثير كاتباً رجعياً، رواية تاريخية كان فيها باكثير واحداً من أوائل الكتاب العرب الذين تناولوا ثورة طبقية دموية عرفها التاريخ الإسلامي لكن الجانب الرسمي من ذلك التاريخ فضّل السكوت عنها الى أن اكتشفت في سنوات السبعين وتدافع كتاب الى إصدار أعمال إبداعية أو دراسية تتناولها وصولاً حتى الى مشروع اشتغل عليه الراحل عمر اميرالاي طويلاً لتحقيق فيلم شاركه في كتابة نصّه الروائي صنع الله إبراهيم، لكن المشروع لم يكتمل. ولئن كان الأدب التقدمي العربي هو الذي استولى على الحكاية ايام المد الفكري اليساري، فإن باكثير الذي سبق غيره في «اكتشاف» الحكاية التاريخية وتحويلها عملاً أدبياً، كان يسير عكس التيار. كان يتطلع الى أن يكون عمله «مدوّياً في تصديه للفكر الشيوعي ودمويته وحتمية هزيمته». وهذا، طبعاً ما أدركه عبدالكريم جرمانوس حين استطرد في رسالته قائلاً: «... وتكمن خطورة الرواية في استشرافها نهاية الشيوعية وفشل نظريتها في إسعاد الفقراء». ومن الواضح أن المستشرق المجري العجوز كان محقاً في هذا الجانب على الأقل!

> فالحال أن الجانب الأساس في الرواية هو الصراع بين الشيوعية كما تجلت في سياسة «العدل الشامل» التي تبناها حمدان القرمطي ورفاقه كما سيفعل «صاحب الزنج» الذي يشكل بدوره محوراً من محاور «أسفار الرواية الأربعة»، وبين الرأسمالية التي يمثلها هنا الإقطاعيون ومن بينهم أقساهم ابن الحطيم الذين لا يمكنهم أن يعيشوا إلا بفضل الهيمنة والفوضى الاقتصادية. وعلى هذا النحو، إذاً، وازن الكاتب - ولنعترف له هنا بوعيه المبكر والمنصف في هذا المجال مهما كان رأينا في الرواية نفسها - بين قطبي الصراع، مستنتجاً أن لا فرق في نهاية المطاف بين «الرأسمالية المتشددة» و «الشيوعية المستبدة». أما الحل فلدى الخليفة الذي يتطلع حمدان الى مناقشته، «هو الذي بعد أن كان يريد الخير للناس انقلب خيره الى شرّ وها هو يرى اليوم أن عليه أن يحول بكل السبل دون وقوع مملكته في براثن هؤلاء القداحين وأتباعهم».

> بالنسبة الى العديد من قراء روايات كاتبنا العربي نجيب محفوظ، قد لا يكون علي احمد باكثير، أكثر من اسم يرد الإعلان عنه في الصفحات الأخيرة من طبعات «مكتبة مصر» للروايات المحفوظية، بين اسماء محمد عبدالحليم عبدالله ويوسف إدريس وعبدالحميد جودة السحار، حيث اعتاد الناشر المصري أن يعرض ما لديه من بضاعات الأدباء الذين ينشر لهم. والحال أن باكثير، لولا ذلك الإعلان، كان من شأنه أن يكون نسياً منسياً بالنسبة الى أبناء جيلنا والأجيال التي تلته. فهو، رغم غزارة انتاجه اعتاد أن يعيش في الظل، تماماً كما كان خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته دائم الشكوى من شتى ضروب الظلم التي تحيق به، في حقبة من تاريخ الثقافة المصرية اشتد فيها الصراع بين فكر اليسار وفكر اليمين ما جعله هو «الإسلامي الوسطي» شبه غائب. وكان غياباً فيه ظلم كثير للرجل في الحقيقة. إذ إننا لو توقفنا فقط عند حياة باكثير، من دون أعماله، لطالعتنا حياة غنية امتدت على مدى العالم الإسلامي وعلى مدى العقود السبعة الأولى من القرن العشرين، كاشفة لنا، عبر نموذج ميداني حي، ما كانت عليه وحدة الثقافة الإسلامية العربية في تلك السنوات، قبل أن تستبد بها اليوم إقليمية وتجزيئية تجعل حتى مخرجاً سينمائياً ولد وعاش وعمل في مصر يعتبر غريباً الى درجة يضطر معها الى بناء قبر له في القاهرة كي يثبت انتماءه الى أرض الكنانة!

> في أيام باكثير كانت الأمور مختلفة، وحسبنا أن نذكر كيف أن باكثير الحضرمي الأصل، المولود في إندونيسيا والذي عاش ردحاً من شبابه في عدن وردحاً في الحجاز، وجد من لدن محب الدين الخطيب ومحمد رشيد رضا ثم شكيب أرسلان تشجيعاً له على التوجه الى مصر للإقامة والعمل فيها، وكيف انه، سنوات قليلة بعد وصوله الى مصر، حصل على الجنسية المصرية وصار يعتبر من أدبائها.

> إذاً، تقول لنا سيرة علي أحمد باكثير انه ولد في إندونيسيا لأبوين من حضرموت وتعلم العربية منذ طفولته حيث توجه للعيش والدراسة في عدن، ومنذ صباه آلى على نفسه أن يتجه نحو الأدب، لكنه كان يريد أن يصبح شاعراً هو الذي كان أمله، كما يقول الباحث السعودي محمد ابو بكر حميد الذي اشتغل طويلاً على أوراق باكثير وأعماله، كان أمله أن يقارع شوقي وحافظ وأن «أكون أميراً للشعراء». غير أن القاهرة غيّرت لباكثير توجهه إذ انه في جامعتها اكتشف شكسبير، ما دفعه الى الربط بين الشعر والدراما والى تجربة حظه في كتابة المسرحية.

> طوال حياة عملية امتدت بين 1940 وبين تاريخ وفاته في تشرين الثاني (نوفمبر) 1969، كتب علي أحمد باكثير العديد من الروايات والمسرحيات، ونظم العديد من القصائد، كما انه تقلب في العديد من الوظائف وقام برحلات كثيرة، وهو طوال تلك الفترة اعتبر جزءاً من الحياة الفنية والثقافية في مصر. فهو بعد حصوله على دبلوم معهد المعلمين في العام 1940، عمل مدرّساً في المنصورة طوال سبع سنوات، ثم درّس سبع سنوات أخرى في القاهرة. وفي العام 1955 زامل نجيب محفوظ تحت رئاسة يحيى حقي في مصلحة الفنون، قبل أن يمضي السنوات الأخيرة من حياته مديراً لقسم الرقابة على المصنفات الأدبية والفنية في وزارة الثقافة.

> خلال ذلك كله، كتب باكثير واقتبس وترجم وعرب واستقى من التراث الإسلامي والعربي بخاصة، تلك الأعمال المسرحية والروائية من «سلامة القس» و «وإسلاماه!» - اللذين حوّلا فيلمين شهيرين أولهما من بطولة أم كلثوم - الى «الزعيم الأوحد» و «جلفدان هائم»، مروراً بـ «روميو وجولييت» و «سر الحاكم بأمر الله» و «الثائر الأحمر» التي كانت المسرحية المفضلة لدى المستشرق المجري جرمانوس كما أشرنا أعلاه. ومن أعمال باكثير الأخرى: «الفرعون الموعود»، «مسمار جحا»، «مأساة أوديب»، «سر شهرزاد»، «امبراطورية في المزاد»، «أوزوريس» و «دار ابن لقمان»... وغيرها من أعمال نهل منها باكثير من التراث الفرعوني والإسلامي والعالمي، وتجاور لديه فيها اسخيلوس مع شكسبير مع الف ليلة وليلة. ونذكر أن العديد من مسرحيات ونصوص باكثير قد حول الى أفلام سينمائية كان آخرها نص «الشيماء»، على غرار ما حدث لـ «سلامة» و «وإسلاماه!».

> أما مرحلة باكثير الشعرية فقد سبقت مرحلته المسرحية حيث اشتهر له ديوانان: «عدنيات» الذي كتبه في شبابه في عدن، و «حجازيات» الذي كتبه خلال اقامته في الحجاز. كما ان له كتباً عديدة في أدب الرحلات، منها ما كتبه خلال زيارته الاتحاد السوفياتي!

نقلا عن الحياة اللندنية

آخر تعديل علىالسبت, 26 آب/أغسطس 2017 00:24

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى
Info for bonus Review bet365 here.