بقلم المحرر السياسي
تسع سنوات من الحرب في أفغانستان ولا شيء تغير في الأفق. القوات الغربية المحتلة المتحالفة تبدو وكأنها غير قادرة على استعادة الأرض المفقودة التي سيطرت عليها حركة طالبان بالكامل ـ 75% من الأراضي حسب بعض مراكز الدراسات الإستراتجية ـ.
في واشنطن، لا أحد يملك الشجاعة والصدق لكشف الوضع الحقيقي في أفغانستان أمام الشعب الأمريكي. الجميع أسهم في خداع الرأي العام، سواء كانوا من الساسة أو رجال الإعلام أو من أبرز الشخصيات الدينية المسيحية وغيرهم، الذين ضخموا "خطر التمرد" ـ كما أسموه ـ بقيادة حركة طالبان والقاعدة في أفغانستان وباكستان.
وحتى لو استطاعت واشنطن ترتيب الأوضاع هناك للتقليل من الخسائر الكبيرة في الأرواح والمعدات وتهاوي سمعة الجيش الأمريكي وقوات حلف الأطلسي، فإن أكبر الداعمين في الجيش الأمريكي لاستمرار الحرب على المقاومة الأفغانية، يقولون إن الأمر سوف يستغرق ما بين عشر سنوات وخمسة عشر سنة من العمل المتواصل ليعطي ثماره المرجوة.
الولايات المتحدة الأمريكية احتلت أفغانستان منذ ما يقرب العقد من الزمن، لتحوله إلى واحد من أكثر البلدان فسادا في العالم، وأهم مركز الإنتاج العالمي للأفيون. الحليف الرسمي لواشنطن، الرئيس حميد قرضاي، مقتنع تماما مع نفسه ومع أقرب مستشاريه، بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الانتصار في الحرب، وهو يسعى بأي ثمن إلى التعامل مباشرة مع عدوه اللدود، حركة طالبان.
الرأي العام الأمريكي لم يعد يؤمن هو أيضا بالحرب منذ وقت طويل، وهو على يقين أن الجميع في البيت الأبيض، وعلى رأسهم الرئيس أوباما، ليسوا متحمسين لاستمرار هذه الحرب "العبثية" البعيدة عن حدودهم بعشرات الآلاف من الأميال.
أما فكرة وضع وإرساء خطة للبقاء بضع سنوات أخرى في أفغانستان من أجل القتال والموت هناك، فهي فكرة جنونية وخطرة ولا تلقى تأييدا، خاصة وأنه لا أحد يعرف كم من المليارات الدولارات الإضافية التي يجب على دافعي الضرائب الأمريكيين دفعها مجددا وهذا منذ تاريخ أحداث سبتمبر 2001م.
الجنرال ديفيد بتريوس (الذي عينه أوباما ليحل محل الجنرال ماكريستال) ـ وهو من أقوى المؤيدين لاستمرار الحرب ضد حركة المقاومة في أفغانستان ـ قد أغفل بشكل واضح الجانب الأساس والرئيس في الحرب، وهو أن خوضها يجب أن يكون على أكمل وجه وليس نصف حرب. فأمريكا ذهبت إلى الحرب لسحق العدو وتدميره وليس للسياحة والراحة. ومن موجبات هذه الحرب القيام بها بشكل كامل وبأسرع وقت ممكن، لتحقيق النتائج التي ينتظرها الأمريكيون.
وإذا وقفت أمريكا محتارة أمام صدمة تشوه صورتها في العالم، وخاصة في العالم العربي والإسلامي بسب حروبها المدمرة في العراق وأفغانستان وباكستان، وبدأت في تقديم التبريرات والمسوغات لعدم استمرارها، أو إذا كانت لا تعرف كيفية خوضها على أحسن وجه، فقد كان عليها أن لا تخوضها أصلا.
في أفغانستان، تلعب أمريكا لعبة خطرة، والتي قال الرئيس أوباما عنها، وهو يتوجه إلى الشعب الأمريكي، إن الحرب ضرورية، وسوف نفعل كل ما يلزم لتحقيق النجاح. ثم، في الوقت نفسه، يريد أوباما أن يُطمئن الشعب الأمريكي واعدا إياهم بأن انسحاب القوات الأمريكية سيبدأ في موعده المقرر، في غضون عام من الآن، فأيَ من هذه الالتزامات صادقة؟!.
في الواقع، الولايات المتحدة الأمريكية لا تحارب بشراسة وعنفوان. أنصار الحرب في البنتاغون والبيت الأبيض على المقاومة في أفغانستان لا يريدون ـ خلال هذه الفترة الحرجة ـ إشعال المزيد من النار أكثر مما هي مشتعلة حاليا، خشية أن تجلب غضب المقاومين وانتقامهم العنيف، الذي ترك آثارا سيئة على الجنود الأمريكيين، كما أن العدد الكبير من الإصابات في صفوف المدنيين العزل الذين يسقطون مثل الذباب قد يقوض بناء أمة واحدة، وهو مفهوم ترتكز عليه هذه الإستراتيجية.
أمريكا تغرق اليوم أكثر من أي وقت مضى في المستنقع الأفغاني الآسن، لا الرئيس أوباما ولا بترايوس، ولا أي شخص آخر لديه أية فكرة عن كيفية الخروج منها. المتشددون من أنصار الحرب على المقاومة الأفغانية يلحون على استدعاء المزيد من التعزيزات العسكرية، ويريدون أيضا من الرئيس أن ينسى تقويمه الذي وضعه لسحب قواته من أفغانستان في تموز 2011م، وهو موعد غير القابل للتحقيق ميدانيا. أمريكا كما وصفها أحد المحللين، مثل المقامر الذي يضاعف من ديونه بسبب المراهنة على القمار، رغم علمه بأن اللعبة مكشوفة.
لا يمكن في كل الأحوال الانتصار في أفغانستان، أو التنبؤ بمن سيفوز بها في النهاية، لأن التاريخ الأفغاني المعاصر يفرض بصماته على الجميع، سواء من السكان المحليين والمحتلين الذين وفدوا من كل صوب، لكن لا يوجد سوى المعاناة والمعاناة فقط. في حين تحاول أمريكا "عصرنة" المدن والسكان في كابول وقندهار من خلال تدفق المليارات من الدولارات، وتنفق المليارات الأخرى لاستمرار هذه الحرب الرهيبة، ولكنها تعجز في الوقت نفسه، بل غير قادرة على تمديد دفع إعانات البطالة للأمريكيين.
نقلاً عن مجلة العصر