الدليل على ذلك هو الموقف العقلاني للجيش من الاعتقالات التي طالت 70 ضابطاً بعضهم ذوو رتب عالية، وأغلبهم من المتقاعدين. وقيادة أركان الجيش أعلنت أنها لن تتستر على أي انتهاك للقانون ولو كان المتهم من بين صفوفها. ومعنى ذلك أن رياح الإصلاح وصلت إلى قلب القوات المسلحة التركية، وتحديداً داخل "قيادة أركان الجيش" التي يرأسها حالياً ومنذ أغسطس 2008 الجنرال محمد إلكر باشبوغ.
كثيرة هي المؤشرات التي تؤكد أن عسكر تركيا الحاليون لن يعودوا من جديد كما كانوا في السابق إلى تهديد الحكم المدني كلما تراءى لهم أن علمانية الدولة معرضة للخطر، ومن ثم كانوا يطيحون بالحكومات المنتخبة كلما نشأت أزمة سياسية هنا أو هناك. في تقديرنا أن هذا التقليد العريق للجيش التركي سيصبح قريباً جزءاً من الماضي، بعد أن وصل التغيير إلى قلب المؤسسة العسكرية ذاتها، وأخذ يدفعها إلى إعادة هيكلة وضعها ضمن النظام السياسي المتحول بإصرار نحو الديمقراطية، والماضي بإصرار أيضاً على طريق الإصلاح السياسي، وتكسير القيود التي عانى منها الشعب التركي لفترات طويلة، تحت مزاعم "حماية العلمانية"، و"الدفاع عن المبادئ الكمالية"، وهي مزاعم ثبت فشلها في مواجهة التحديات والأزمات التي عاشتها تركيا داخلياً وخارجيا على مدى العقود الماضية من عمر الجمهورية.
ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يحاكم فيها سبعون من ضباط الجيش التركي، وقد وجهت النيابة العامة لبعضهم تهمة الضلوع في مؤامرة انقلابية عرفت باسم "المطرقة الثقيلة"، يرجع تاريخها إلى سنة 2003. كما وجهت للبعض الآخر تهماً بالضلوع في مؤامرة لإشاعة الفوضى في البلاد، وتشويه سمعة الحزب الحاكم، وتلفيق قضايا لا أخلاقية لجماعة الشيخ فتح الله كولن الإسلامية، حسبما جاء في "خطة العمل لمواجهة الرجعية" التي أعدها "دورسون شيشيك" أحد كبار الضباط بقيادة أركان الجيش، وكشفت عنها صحيفة "طرف" التركية في 12 يونيو العام الماضي (2009)، واعترفت بصحتها هيئة أركان الجيش التركي (في بيان نشرته على موقعها على الإنترنت بتاريخ 3/3/2010) في خضم حملة الاعتقالات الأخيرة. ويحمل هذا الاعتراف -بحد ذاته- أكثر من دلالة جديدة على أن رياح الإصلاح آخذة في التغلغل داخل القوات المسلحة، وخاصة أن قيادة الجيش كانت قد وصفت في وقت سابق تلك الخطة بأنها مجرد قصاصة ورق لا قيمة لها، فلما ثبت أنها أصلية وغير مزورة، لم تجد هيئة الأركان إلا الالتزام بحكم القانون.
قضية "المطرقة الثقيلة"، وقضية "خطة العمل لمواجهة الرجعية" متصلتان ببعضهما، وتجمعهما أرضية واحدة هي أرضية "الدولة العميقة"، ومنظمتها السرية الخطيرة المسماة "الأرجنكون".
على أية حال، ليست هذه هي المعركة الأولى التي تخوضها حكومة العدالة والتنمية ضد قوى الدولة العميقة المتجذرة في تركيا، أو ضد منظمتها السرية "الأرجنكون"، فقد سبقتها معارك عدة، خرج منها الحزب وحكومته منتصراً، وخرجت منها قوى الدولة العميقة أقل قوة. ويبدو أن الحكومة التركية قررت هذه المرة أن توسع نطاق المعركة، وأن تفتح ملفات قضيتي "المطرقة"، و"خطة العمل" في آن واحد، إلى جانب استئناف جهودها من أجل "تعديل الدستور"، بما يؤدي إلى توفير ضمانات أكبر لاستقلال القضاء، والحد من تدخل الجيش في السياسة، وتقييد عملية حل الأحزاب السياسية بما يتناسب مع المعايير التي تتطلبها إجراءات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوربي.
المعركة لا تزال مستمرة، والأتراك بمختلف توجهاتهم السياسية لا يزالون في حالة ترقب وانتظار النتائج التي ستسفر عنها هذه المعركة المحتدمة بين أجنحة من العسكر، وأجنحة من القضاء، والحكومة المنتخبة التي تقود عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي على نحو تدريجي منذ وصولها إلى السلطة بنتخابات حرة نزيهة في نوفمبر عام 2002.
في الماضي، كان نشوب أي أزمة سياسية تشهدها البلاد يدفع الجيش إلى المبادرة بالاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري مباشر (1960-1971-1980)، أو بانقلاب غير مباشر عبر توجيه الإنذارات (1997). أما اليوم، فالجيش يجد نفسه لأول مرة في تاريخه في موقف "الدفاع" لا المبادرة. هو يدافع هذه المرة عن هيبته التي تنال منها الاتهامات الموجهة إلى بعض كبار قادته السابقين والحاليين لكونها -في حال ثبوتها- تعني أن الجيش المنوط به الدفاع عن الدستور وفرض احترام القانون، قد أصبح بؤرة لأنشطة معادية للدستور والقانون، ومعادية أيضاً للإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية المنتخبة وعلى رأسها البرلمان والحكومة والمجالس المحلية.
هناك ضجة إعلامية كبرى مصاحبة لعمليات اعتقال عدد من ضباط الجيش، وبعض رجال القضاء وغيرهم من المشتبه في تورطهم في التآمر على النظام القائم، وهناك أيضاً صرخات عالية وحملات ضد الحكومة تشنها أحزاب المعارضة، وخاصة "حزب الشعب الجمهوري" -وهو حزب أتاتوركي يتبنى العلمانية- ولكن كل هذه الضجة لم تحمس قيادة أركان الجيش للقيام بعمل انقلابي، مثلما حدث في مناسبات سابقة، فما الجديد الذي يجعل الانقلاب أمراً شبه مستحيل هذه المرة؟
ثمة أسباب كثيرة، منها الشعبية الجارفة التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية الحاكم؛ فقد صوت له 16 مليوناً في الانتخابات النيابية الأخيرة (2007)، ويحظى بـ47 في المئة من مقاعد البرلمان؛ الأمر الذي يعني أن أي عمل انقلابي سيواجه برفض شعبي واسع قد يدخل البلاد في مواجهات غير محمودة العواقب.
التأييد الخارجي الذي تحظى به حكومة العدالة والتنمية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سبب آخر يعرقل طريق الجيش نحو الانقلاب، وخاصة أن الحكومة تنفذ برنامجاً إصلاحياً طموحاً يهدف إلى وضع تركيا في مصاف البلدان الديمقراطية المستقرة، ويؤهلها لعضوية الاتحاد الأوربي. والتجارب السابقة تؤكد أن الدعم الخارجي المباشر أو غير المباشر هو شرط لازم لنجاح الانقلابات العسكرية، وخصوصاً في بلادنا العربية والإسلامية، فإذا انعدم هذا التأييد باتت فرص الانقلاب العسكري ضئيلة للغاية.
هناك أيضاً الإنجازات الهائلة التي نجحت حكومة العدالة والتنمية في تحقيقها خلال توليها السلطة وخصوصاً في مجال رفع مستوى المعيشة للمواطن التركي (أكثر من 10.000دولار متوسط دخل الفرد سنوياً)، وتحسين مستوى الأداء الاقتصادي (يحتل الاقتصاد التركي المرتبة 16 عالمياً)، وتصفية بؤر التوتر مع جميع دول الجوار التركي، وتحسين العلاقات مع جميع تلك الدول.
كل تلك الأسباب وجيهة وذات أهمية في عرقلة أي مسار انقلابي يقوم به الجيش، ولكن السبب الأهم في رأينا هو موجة التغيير التي تشق طريقها داخل صفوف الجيش التركي، وداخل قيادة أركان القوات المسلحة ذاتها، فقيادة الأركان تبدو أكثر انفتاحاً على الحياة المدنية من جهة، وتبدو صفوفها أقل تجانساً في مواقفها تجاه التحولات السياسية والإصلاحات الديمقراطية التي تقودها حكومة العدالة والتنمية من جهة أخرى.
هذا الانفتاح النسبي لقيادة الأركان على الحياة المدنية وتفهمها للاستحقاقات الديمقراطية، وإدراكها أن الولاءات القديمة التي استندت إليها في الانقلابات السابقة قد تغيرت، كل ذلك يعني أن تركيا باتت على وشك إكمال مرحلة أخرى من مراحل الإصلاح الديمقراطي، وتثبيت دعائم دولة الحريات وحكم القانون.
هل معنى ذلك أن عصر الانقلابات العسكرية قد انتهى إلى غير رجعة في الحياة السياسية التركية؟ أنصار الإصلاح السياسي وقوى التغيير الديمقراطي داخل تركيا وخارجها يتمنون أن تكون الإجابة هي "نعم"؛ وخاصة بعد أن ذاق الشعب التركي حلاوة ممارسة حقه في الولاية على نفسه واختيار حكامه بنفسه. وهم يطالبون الحكومة بالوفاء بتعهدها الانتخابي بأن تغير الدستور، ويضغطون في هذا الاتجاه عبر ائتلاف مدني واسع يضم 400 جمعية ووقفيات خيرية ومؤسسات غير حكومية واتحادات حقوقية ومراكز بحثية. وهم يرفعون في مظاهراتهم شعاراً يقول "سبعين مليون خطوة ضد الانقلابات العسكرية"، "وسبعون مليون خطوة إلى الأمام على طريق الديمقراطية". في إشارة إلى اتساع الإجماع الشعبي حول رفض تدخل العسكر في الشئون السياسية (عدد سكان تركيا حالياً 70 مليون نسمة تقريباً).
أما أنصار العلمانية السلبية والحكم الشمولي فيتمنون أن يفلت الضالعون في مؤامرات منظمة الأرجنكون والدولة الخفية من المحاسبة والعقاب؛ كراهيةً للقوى الإصلاحية الإسلامية التي أتت بها الانتخابات الحرة إلى سدة الحكم مرتين على التوالي، وكراهية في المؤسسات النيابية التي أتاحت للشعب حرية الاختيار. ويحلمون أيضاً بأن ترجع عقارب الساعة إلى زمن الانقلابات، وفرض وصاية العسكر، والتحكم في مصيره بزعم الدفاع عن أسس الجمهورية العلمانية التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك. ولكن هيهات، فهناك "سبعون مليون خطوة" ضد الانقلاب وضد الدولة الخفية، وسبعون مليون خطوة مع الإصلاح الديمقراطي ودولة القانون.
د.إبراهيم البيومي غانم
نقلاً عن صحيفة السبيل ـ يومية أردنية