ما بين رفض لتشديد العقوبات المفروضة على طهران وعدم الترحيب بالإمعان في عزلها أو القيام بأي عمل عسكري ضد منشآتها النووية من جهة، ثم الإعلان مؤخرا عن استيائها من تحدي النظام الإيراني للغرب، وإعلانه الشروع في تخصيب اليورانيوم محليا بنسبة 20%، ثم إبدائه مؤخرا استعدادا للسير في ركاب الإجماع الغربي الرامي إلى تضييق الخناق على طهران، يبدو الموقف الروسي من الأزمة النووية الإيرانية ومن الجمهورية الإسلامية إجمالا مثيرا للتساؤل.
فتارة تتنكر موسكو لأية اتفاقات بشأن صفقة تزويد طهران بصواريخ إس إس 300 المضادة للطائرات، والتي انهالت الضغوط على موسكو من جانب تل أبيب وواشنطن لتجميدها، كما يتفنن المسؤولون الروس في تبرير تأخير محطة بوشهر النووية، ويتهربون من تحديد جدول زمني محدد لتسليمها إلى إيران في المدى المنظور، وتارة أخرى لا يتورع مسؤولون عسكريون روس عن التلميح بأن الأمور تمضي قدما، وما يعطل إتمام هاتين الصفقتين هو فقط إجراءات فنية، ما إن يتم إنهاؤها حتى تتسلم طهران محطة بوشهر النووية وكذا صفقة الصواريخ المثيرة للجدل.
وفى حين ذهب محللون إستراتيجيون غربيون، إلى أن تراجع واشنطن مرحليا عن نصب محطات رادارية للدرع الصاروخية الأمريكية بالمنطقة الثالثة للمشروع في وسط وشرق أوربا، كان بسبب الترضية التي قدمتها إدارة أوباما لاستجداء دعم موسكو لمساعي تضييق الخناق على إيران، وتشديد العقوبات عليها لحملها على وقف أنشطتها النووية والحيلولة دون تطوير برامجها التسليحية الإستراتيجية، خرجت مصادر رسمية روسية ونفت كلية أن يكون الموقف الروسي حيال إيران قد تبدل على خلفية تلك الصفقة، مشيرة إلى أن العلاقة مع إيران جد مختلفة عن الدرع الصاروخية الأمريكية، ولا يمكن وضعهما معا في سلة واحدة..
كما أن إدارة أوباما تراجعت عن تنفيذ الدرع الصاروخي في وسط وشرق أوربا لأسباب اقتصادية وتقنية وسياسية، حيث تعذر إقناع الكونجرس باعتماد المخصصات المالية الباهظة للمشروع الذي كان ينذر بتجدد سباق التسلح الإستراتيجي والحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، مثلما كان يهدد بشق عصا التحالف الأوربي الأمريكي، هذا علاوة على المعارضة الشعبية الواسعة داخل التشيك وبولندا لإقامة محطات رادارية للمشروع على أراضى بلادهم، فضلا عن توصل دوائر عسكرية أمريكية لمشاريع بديلة أكثر فعالية وأقل كلفة وإثارة للجدل.
إنها إذن حسابات روسيا الرامية إلى توظيف الورقة الإيرانية قدر المستطاع بغرض تقوية موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة وأوربا بشأن ملفات وقضايا خلافية شتى عالقة بينهما، كالناتو وأفغانستان وأمن الطاقة فضلا عن موازنة الضغوط الأمريكية علي موسكو في جورجيا وأوكرانيا.
وبكلمات أخرى، يمكن القول إن تحولات الموقف الروسي بشأن التعاطي مع إيران وأزمتها النووية، يعكس حرصا روسيا على الإمساك بالعصا من المنتصف، بمعنى بلوغ غايتين متوازيتين ومتزامنتين:
أولاهما، الإبقاء على روابط التقارب والتعاون بين موسكو وطهران، والتي تحقق موسكو من خلالها مكاسب إستراتيجية واقتصادية مهمة، ليس أقلها الاحتفاظ بموطئ قدم روسي في المياه الدافئة بالخليج العربي.
كما تجد موسكو نفسها بحاجة للإبقاء على مبيعات السلاح الروسية لإيران، بغية الحصول على الاحتفاظ بمصدر دخل مهم، سيما وأن اتفاقية عام 1995 الشهيرة التي وقعها نائب الرئيس الأميركي، آل غور، ورئيس الوزراء الروسي، فيكتور تشرنومردين، ونصت على عدم بيع أية أسلحة روسية أو تكنولوجية متطورة لإيران، صارت تشكل عبئا وخسارة على موسكو، التي وعدتها واشنطن بمكافأتها عليها عبر تعويضها عن السوق الإيرانية بأسواق أخرى أكثر رواجا حول العالم، لكنها لم تفعل، الأمر الذي دفع بموسكو في نهاية عام 2000 إلى التخلي عن هذه الاتفاقية وإبرام عدة اتفاقات علنية وسرية مع طهران، يتم بموجبها تطوير الأسلحة الإيرانية ـ بما فيها صواريخ شهاب ـ وتزويد طهران بأسلحة حديثة وتدريب كبار الضباط الإيرانيين لدى المؤسسات العسكرية الروسية، ما ساعد إيران على الاحتفاظ بموقعها الراسخ منذ الثورة الإيرانية عام 1979م، كثالث أكبر مشتر، بعد الصين والهند، للسلاح السوفيتي ومن بعده الروسي.
أما ثانيتهما، فتتمثل في الإبقاء على الورقة الإيرانية كأداة مساومة في التفاوض مع واشنطن وحلفائها الغربيين، بما يتيح لموسكو إحراز نجاحات في مفاوضاتها مع تلك الأطراف حول ملفات وقضايا بالغة الأهمية بالنسبة لأمن روسيا ومصالحها الإستراتيجية، فضلا عن تحسين وضعها في المنظومتين العالمية والغربية مستقبلا، حيث تتطلع روسيا من وراء حرصها على الاحتفاظ بمساحة لا بأس بها من التفاهم والتقارب مع الولايات المتحدة والغرب إلى تحقيق مغانم عديدة، منها على سبيل المثال: كبح جماح التدخل الأمريكي في الشأن الداخلي الروسي عبر انتقاد أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات داخل روسيا، وكذا تحجيم الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لأوكرانيا وجورجيا، إلى جانب تهدئة التوترات مع الناتو ووقف الدرع الصاروخي الأمريكي في أوربا.
وإضافة إلى ما سبق، ترمي موسكو إلى تحقيق تقدم في مفاوضات ضبط التسلح الإستراتيجي مع واشنطن، بما يتماشى والمصالح الروسية في هذا الشأن. كما تسعى موسكو لإجهاض مساعي واشنطن وبعض حلفائها الغربيين لعزل روسيا سياسيا ومحاصرتها إستراتيجيا، وتهميشها داخل الناتو وضمن أمن الطاقة، وعمليات أفغانستان التي تضطلع روسيا فيها بدور حيوي، لا تتورع واشنطن عن البحث عن بديل له، مستعينة بحلفائها المقربين في المنطقة، من أمثال أوكرانيا وتركيا.
وإضافة لما سبق، فإن تراجع موسكو عن دعم إيران تاركة إياها تواجه أحد مصيرين، إما العقوبات التي قد تصل للمستوى العسكري، في محاولة لتغيير النظام الإيراني، أو وصول طهران وواشنطن إلى اتفاق يتناول الملف النووي والدور الإقليمي لإيران، سيجعلها تخسر في هاتين الحالتين ورقة إيران الرابحة، بما يضعف الموقف التفاوضي الروسي في مواجهة واشنطن وحلفائها الأوربيين، كما يعني هذا تخلي موسكو عن مكاسب إستراتيجية حققتها على هذا الصعيد خلال العقدين الماضيين، كالتنسيق الإيراني الروسي في مواجهة التحالف الأميركي الأذربيجاني حول الصراع مع أرمينيا، وما يرتبط به من توتر الوضع في القوقاز الجنوبي الذي يشهد تسللا أميركيا وإسرائيليا، وكذا ابتعاد إيران طواعية عن لعب دور المنافس لموسكو على التخوم الجنوبية لروسيا، رغم الروابط التي تجمع إيران ببعض دول آسيا الوسطى والقوقاز.
وبعد أن تحولت حدود روسيا مع دول الاتحاد السوفيتي السابق المجاورة لروسيا حاليا إلى بؤر ساخنة، تنامت أهمية إيران بالنسبة للأمن الإستراتيجي لروسيا أكثر من أي وقت مضى، كمتنفس لا غنى عنه لإيقاف تآكل خريطة روسيا الجغرافية السياسية منذ الحرب على أفغانستان والتغلغل العسكري والسياسي للولايات المتحدة على حساب مناطق نفوذها السابقة.
كذلك، كانت إيران من أوائل الدول التي أعلنت رسميا أن الشيشان جزء من الجسد الروسي وليس أكثر من مشكلة داخلية، رغم الشعارات الواعدة التي ترفع في إيران لنصرة القضايا الإسلامية، سواء في بعدها الرمزي أو السياسي. وإذا كانت روسيا هي الغطاء الدولي لإيران، وموردها الأول للتكنولوجيا النووية، وبيدها مفاتيح خرق العقوبات الدولية المرتقبة عليها، فإن إيران تؤمن لروسيا الإطلالة الوحيدة على الخليج بموارده النفطية والغازية الضخمة، وهى شريكها في القوقاز وآسيا الوسطي.
وقد تجلت أهمية إيران في العلاقات الروسية الغربية إبان المفاوضات الجارية بين إيران ودول 5+1، حيث حرصت كل من موسكو وواشنطن على الزج بخبرائهما المخضرمين الذين يجيدون اللعب بالورقة الإيرانية في مثل هذه المفاوضات، فكان ممثل روسيا على طاولة المفاوضات هو نائب وزير الخارجية، سيرجى ريابكوف، وهو الخبير في الشؤون الأمريكية، الذي شارك في مفاوضات متنوعة بين موسكو وواشنطن حول أمور حساسة لروسيا، كتقليص الأسلحة الإستراتيجية في أوروبا. وفى المقابل، مثل نائب وزير الخارجية الأمريكي، ويليام بيرنز، بلاده في جولة المفاوضات الأخيرة، وهو الذي عمل سفيراً لبلاده في موسكو خلال الفترة من عام 2005 ـ 2008.
وهكذا، انطوى الموقف الروسي "الرسمي" من الأزمة النووية الإيرانية على إشارات تشي بتمسك موسكو بموقفها الداعم لإيران ولو على نحو ضمني، يخبو ويبرز، وفقا لمستوى التنسيق والتفاهم بين القوى الكبرى، وحسب وتيرة العلاقات بين روسيا والغرب.
وبناء عليه، جاء تأكيد مصادر عسكرية روسية من قبل على أن إكمال صفقتي محطة بوشهر وصواريخ إس 300، وأن موسكو مع ذلك تنطلق من قناعة أنها في حال إتمام هاتين الصفقتين، لا تخل بأي التزام من التزاماتها الدولية.
كذلك، عادت موسكو مجددا للتأكيد على موقفها المبدئي الرافض لاستخدام القوة ضد إيران، وكذا رفض تشديد العقوبات الاقتصادية القاسية، مثل مقاطعة شراء النفط الإيراني أو توريد البنزين إلى إيران، خصوصا وأن موسكو لا تثق في فعالية أو جدوى أي عقوبات اقتصادية أو سياسية على دولة كإيران، على اعتبار أن المتضرر من أية عقوبات من هذا النوع هو الشعوب وليس الأنظمة الحاكمة التي لا تزيدها العقوبات إلا عنادا وإصرارا على مواصلة مشاريعها المثيرة.
بيد أن تفاقم أجواء عدم الثقة التي باتت تلف العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها الأطلسيين خلال الآونة الأخيرة، وما استتبعه من تنامي أهمية إيران بالنسبة لروسيا كورقة تفاوضية مهمة، لمساومة الغرب والضغط عليه وابتزازه إن تطلب الأمر ذلك، لم يكن ليزج بموسكو إلى غياهب صدام غير مرغوب فيه مع الغرب، إذ عمدت إلى الإبقاء على سقف تطلعات الإيرانيين بشأن الدعم الروسي المتوقع لموقف بلادهم، التي لم تزل حليفا تكتيكيا ووظيفيا لروسيا في مواجهة الغرب، متواضعا، إلى أدنى مستوى ممكن، بما لا يشكل عبئا إستراتيجيا أو سياسيا على موسكو يؤثر بالسلب على مساعيها لمد جسور التفاهم مع الغرب، الذي سيبقى شريكا إستراتيجيا لروسيا، لا تبدو مستعدة لخسرانه أو الاصطدام به على الأقل في الأمد المنظور.
لذلك، ظلت موسكو حريصة على إبقاء دعمها للبرنامج النووي الإيراني داخل النطاق الذي يحصر ذلك البرنامج ضمن دائرة الاستخدامات السلمية، على أن تترك مرحلة تحوله من الحيز السلمي إلى المجال العسكري لوسطاء دوليين آخرين أو بالاعتماد على القدرات الذاتية الإيرانية لاحقا، وليس أدل على ذلك من رفض موسكو تزويد إيران بأكثر من 500 وحدة من معالجات الطرد المركزي في الوقت الذي يتطلب فيه تطوير أي مفاعل نووي إلى مستوى يسمح بإنتاج السلاح النووي، 300 ألف وحدة، الأمر الذي يباعد بين طهران وتلك المرحلة عقدا أو عقدين من الزمن، ما لم تتلق الدعم الكافي من الخارج.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه موسكو على لسان ألكسندر فومين، النائب الأول لمدير الخدمة الاتحادية للتعاون العسكري والفني، التي تتولى أمر صادرات السلاح الروسية، إرجاءها تسليم صفقة صواريخ أرض جو إس 300، تتضمن خمس بطاريات لصواريخ "أس 300 بي أم يو 1"، وتبلغ قيمتها نحو 800 مليون دولار، لطهران، في أعقاب زيارة نتنياهو لموسكو مؤخرا ودعوته الكرملين إلى عدم بيع تلك الصواريخ إلى إيران، بسبب أعطال فنية في أنظمة تشغيل هذه الصواريخ، دون أن يحدد الوقت الجديد للتسليم أو طبيعة المشاكل، نفت شركة تصنيع عسكري روسية تصريحات مسؤول روسي عن وجود مشاكل هندسية في أنظمة الصواريخ الدفاعية من طراز "أس 300"، المقرر تزويد إيران بها وفقا لعقد بين البلدين، وأكدت أن هذه الأنظمة الصاروخية تعمل بفعالية ولا يوجد أي عيب فيها.
ونقلت وكالة إنترفاكس عن المسؤول البارز في شركة ألماز، أنتي فلاديمير كازبرينتس، قوله إن سبب تأخير الصفقة سياسي وليس تقنيا. وتكمن أهمية تلك الصفقة في أن تنفيذها يعزز إستراتيجية إيران الردعية ضد تل أبيب وواشنطن، حيث بإمكان صواريخ أس 300 أرض/جو إسقاط الصواريخ أو الطائرات المعادية حتى على بعد 150 كلم، ومن شأن امتلاك إيران لمثل هذه الصواريخ أن يعقد بشكل كبير أي غارات إسرائيلية أو أميركية محتملة على إيران.
وقد أعربت طهران عن خيبة أملها من التأجيل المتكرر لتسليم الصواريخ الروسية، وفي هذا السياق قال قائد عسكري إيراني كبير الأسبوع الماضي، إن بلاده ستبني نظامها الخاص للدفاع الصاروخي، وسيكون أفضل من نظام أس 300، الذي تستخدمه موسكو كورقة سياسية تحصل من خلالها على مكاسب خاصة من الولايات المتحدة، فلا هي تتخلى عن الصفقة ولا هي ترسل الصواريخ.
ومن هنا، يمكن تفهم التأييد الروسي الحالي لمساعي واشنطن وحلفائها الغربيين لتشديد العقوبات على إيران، بسبب قرارها تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وهو موقف سبق لموسكو أن تبنت مثله كثيرا فيما مضى من خلال تمريرها عقوبات غير موجعة على إيران، لحملها على إتباع سياسة "مسئولة" تفضي إلى طمأنة الغرب بشأن طموحات نظامها النووية، بما يحقق هدفين مهمين: أولهما، الإبقاء على الحد الأدنى من التفاهم والثقة المتبادلة بين روسيا والدول الكبرى على نحو يحفظ لموسكو حقها في قسط من المناورة وتوظيف الورقة الإيرانية. وثانيهما، تهدئة مخاوف الدول الكبرى وكبح جماح نزوعها باتجاه اتخاذ إجراءات تصعيدية أشد صرامة ضد إيران.
نقلاً عن مجلة العصر